مليون حقيبة مدرسية.. "مستقبل مصر" في الواجهة ولماذا تراجع الدور الخدمي للجيش؟
مع اقتراب بداية العام الدراسي 2026/2027، تحولت مهمة تخفيف أعباء الدراسة عن الأسر الأكثر احتياجًا إلى تعاون بين وزارة الداخلية ممثلة في منظومة «أمان»، وجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، وبيت الزكاة والصدقات، بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم وقطاع المعاهد الأزهرية.
وتستهدف مبادرة «إلى المدرسة» توزيع مليون حقيبة مدرسية وأدوات كتابية وجاكيتات وأحذية على الطلاب الأكثر احتياجًا في 27 محافظة، إلى جانب توفير 150 ألف كوبون للمواد الغذائية لأسر الطلاب المستفيدة.
لكن اللافت في المبادرة لا يتعلق فقط بحجم المساعدات، وإنما بالجهة التي تقف في الواجهة.
فبعد سنوات اعتادت فيها الأسر المصرية رؤية القوات المسلحة وهيئاتها وأجهزتها الخدمية حاضرة في المبادرات الاجتماعية والغذائية والمناسبات العامة، يظهر هذه المرة جهاز مستقبل مصر باعتباره أحد الأطراف الرئيسية في مبادرة واسعة موجهة إلى الأسر والطلاب.
وهنا يطرح المشهد سؤالًا يتجاوز الحقائب المدرسية: هل تراجع الدور الخدمي المباشر للقوات المسلحة، أم أن هذا الدور يعاد تنظيمه عبر مؤسسات جديدة؟
الجيش لم يكن غائبًا دائمًا عن المشهد الخدمي
من الصعب القول إن القوات المسلحة انسحبت بصورة كاملة من الدور الاجتماعي والخدمي.
ففي مبادرة «بداية جديدة لبناء الإنسان» التي أطلقتها الدولة في 2024، أعلنت القوات المسلحة عن توزيع 150 ألف حصة غذائية مجانًا على الأسر الأكثر احتياجًا، إلى جانب تشغيل 200 عربة لبيع المنتجات والسلع الغذائية بأسعار مخفضة، فضلًا عن قوافل طبية وعمليات جراحية ودعم مناطق نائية وحدودية.
كما ظلت وزارة الداخلية حاضرة في المناسبات المرتبطة بالعام الدراسي. ففي 2025، وفرت مبادرة «كلنا واحد» المستلزمات المدرسية والغذائية بأسعار مخفضة، ووسعت شبكة المشاركة إلى 2931 منفذًا وفرعًا، إضافة إلى 1150 منفذًا ثابتًا ومتحركًا لمنظومة «أمان». كما وزعت الوزارة حقائب مدرسية على الفئات الأكثر احتياجًا.
وبالتالي، فإن الجديد في 2026 ليس اختفاء الدولة من المشهد الاجتماعي، وإنما تغير تركيبة الجهات التي تتصدره.
ماذا تغير في «مستقبل مصر»؟
هنا تظهر النقطة الأكثر أهمية في القصة.
فجهاز مستقبل مصر لم يعد، وفق التنظيم القانوني الجديد، مجرد جهاز تابع لوزارة الدفاع.
ففي يوليو 2026 أقر مجلس النواب إعادة تنظيم الجهاز ونقل تبعيته من وزارة الدفاع إلى رئيس الجمهورية، ليصبح جهازًا ذا طبيعة خاصة واستقلال فني ومالي وإداري.
وتنص أهداف الجهاز على تعظيم القوة الاقتصادية للدولة، والمساهمة في الأمن الغذائي والمائي والطاقي، وكذلك مساعدة الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل الاجتماعي.
وبذلك، فإن دخوله إلى مجال الدعم الاجتماعي ليس منفصلًا تمامًا عن طبيعة الجهاز الجديدة.
لكن المفارقة أن الجهاز نفسه نشأ في بيئة مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، وظل حتى وقت قريب تابعًا لوزارة الدفاع. كما أن البيانات الرسمية للقوات المسلحة كانت تعرض الجهاز باعتباره جزءًا من منظومة التنمية التي تعمل عليها القوات المسلحة. وفي فبراير 2026، نظمت القوات المسلحة زيارة لوفد من مجلس النواب إلى الجهاز لعرض مشروعاته الزراعية والتنموية.
لذلك فإن انتقاله إلى رئاسة الجمهورية لا يعني بالضرورة أن الصلة المؤسسية بالمجال العسكري اختفت من خلفية المشهد، لكنه يعني أن الدور أصبح أكثر ارتباطًا بجهاز تنموي رئاسي مستقل عن وزارة الدفاع من الناحية القانونية.
هل ينوب «مستقبل مصر» عن الجيش؟
لا توجد في البيانات الرسمية المتاحة عبارة تقول إن جهاز مستقبل مصر حل محل القوات المسلحة في الدور الخدمي، ولذلك سيكون من غير الدقيق تقديم الأمر باعتباره قرارًا معلنًا باستبدال الجيش.
لكن يمكن رصد تحول في مركز الثقل.
في السنوات السابقة، كانت القوات المسلحة وأجهزتها المختلفة تظهر بصورة مباشرة في حملات توزيع الأغذية والمساعدات والقوافل الطبية ومنافذ السلع، بالتوازي مع أدوار وزارة الداخلية ومؤسسات مدنية أخرى.
أما في مبادرة «إلى المدرسة» الحالية، فإن «مستقبل مصر» وبيت الزكاة يتصدران توزيع المساعدات. بينما تؤدي الداخلية دورًا واضحًا من خلال منظومة «أمان»، وتشارك التربية والتعليم والأزهر في التنسيق والوصول إلى الطلاب المستحقين.
وبالتالي يمكن قراءة المشهد باعتباره إعادة توزيع للأدوار الخدمية بين مؤسسات الدولة. وليس انسحابًا كاملًا للمؤسسة العسكرية من المجال الاجتماعي.
لماذا قد تتراجع الواجهة العسكرية في الخدمات؟
هناك أكثر من تفسير محتمل، ولا يوجد في البيانات الرسمية ما يسمح بالجزم بسبب واحد.
أول هذه الأسباب هو التوسع في إنشاء أجهزة ومؤسسات متخصصة تستطيع تنفيذ مشروعات واسعة. دون أن تظهر باعتبارها جزءًا مباشرًا من المؤسسة العسكرية.
وثانيها أن جهاز مستقبل مصر، بعد إعادة تنظيمه، أصبح يمتلك إطارًا قانونيًا يسمح له بالعمل كجهاز تنموي مستقل. مع اختصاصات تشمل التنمية الاقتصادية والأمن الغذائي والعدالة الاجتماعية.
وثالثها أن طبيعة الدور نفسه تتغير. فبدلًا من أن يكون الدعم الخدمي قائمًا فقط على مؤسسات القوات المسلحة. باتت الدولة تستخدم شبكة أوسع تضم الداخلية، وبيت الزكاة، وأجهزة تنموية، ومؤسسات حكومية أخرى.
وهذا قد يكون جزءًا من محاولة إعادة تقديم الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة من خلال كيانات متعددة بدل تركيزه في مؤسسة واحدة.



