تقاريرمحلي

التعليم المصري أمام اختبار المدرسة.. إنجازات بالأرقام ومشكلات لا تحسمها البيانات

تقدم وزارة التربية والتعليم مع بداية العام الدراسي الجديد صورة لمنظومة تعليمية قطعت خطوات في معالجة عدد من أزماتها، مستندة إلى أرقام عن انخفاض كثافات الفصول، وسد العجز في المعلمين، وتطوير المناهج، ورفع رواتب المدرسين، والتوسع في مدارس التكنولوجيا التطبيقية.

لكن العرض نفسه يكشف أن الإصلاح لم يصل بعد إلى نهاية الطريق، إذ تضع الوزارة على قائمة مشكلاتها تحديات تبدأ من عدم استقرار السياسات التعليمية، ولا تنتهي عند تدهور بعض المباني وصعوبات القراءة والكتابة والدروس الخصوصية وغياب بعض الطلاب.

وتبدو المشكلة الأساسية أن جزءًا كبيرًا من الإصلاحات يقاس بأرقام المدخلات: عدد الفصول، المعلمين، المناهج والمدارس التي جرى تطويرها، بينما يبقى السؤال الأصعب متعلقًا بالمخرجات: ماذا يتعلم الطالب فعلًا داخل الفصل؟ وهل أصبح التعليم أقل اعتمادًا على الدروس الخصوصية وأكثر ارتباطًا بمهارات القراءة والفهم وسوق العمل؟

كثافة الفصول.. تحسن كبير لا ينهي الأزمة

تقول الوزارة، استنادًا إلى مؤشرات أعدتها منظمة اليونيسف بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة في مصر، إن متوسط عدد الطلاب في الفصل بالمرحلة الابتدائية تراجع من 63 طالبًا خلال 2023-2024 إلى 41 طالبًا حاليًا.

وبحساب نسبة التراجع، فقد انخفض متوسط الكثافة بنحو 35% خلال الفترة المقارنة، كما اختفت الفصول التي كانت تضم أكثر من 100 طالب، بعدما كان عددها يقترب من ألفي فصل.

ويمثل ذلك تحسنًا لوجستيًا مهمًا؛ لأن الفصل الذي يضم عشرات الطلاب أقل قدرة على إتاحة الوقت للمعلم لمتابعة كل طفل، خصوصًا في السنوات الأولى التي تتشكل فيها مهارات القراءة والكتابة.

لكن انخفاض المتوسط العام لا يعني اختفاء المشكلة من جميع المدارس. فالمتوسط على مستوى الجمهورية يمكن أن يخفي فروقًا كبيرة بين المحافظات والمناطق والمدارس، وهو ما يجعل توزيع الفصول الجديدة والتوسعات أكثر أهمية من الرقم الإجمالي وحده.

469 ألف معلم.. هل انتهى العجز فعلًا؟

تعلن الوزارة شغل 469,860 وظيفة تعليمية بصورة تشغيلية كاملة، وتعتبر ذلك نجاحًا في سد العجز الكلي في الوظائف التعليمية.

لكن ملف المعلمين يكشف مشكلة أخرى تتعلق بالفرق بين سد العجز حسابيًا وسده داخل الفصل.

فالوزارة نفسها وضعت العجز في أعداد المعلمين بمختلف التخصصات ضمن التحديات التي واجهت المنظومة.

ولذلك فإن الرقم الإجمالي للوظائف المشغولة لا يجيب بمفرده عن أسئلة أكثر أهمية بالنسبة للطالب: هل يوجد مدرس رياضيات في المدرسة التي يدرس بها؟ وهل يغطي عدد المدرسين الفعلي عدد الفصول؟ وهل يتركز العجز في مواد أو محافظات بعينها؟

وينطبق الأمر نفسه على ما وصفته الوزارة بـ"معدل الحضور"، الذي قالت إنه ارتفع من 15% إلى 87%.

فالرقم يبدو كبيرًا، لكن العرض لا يوضح بصورة كافية طريقة احتساب هذه النسبة، وهو ما يجعل تفسيرها على مستوى المدارس والطلاب أمرًا يحتاج إلى مزيد من البيانات.

أزمة القراءة.. الرقم الأكبر يكشف المشكلة قبل أن يكشف الحل

ربما يكون ملف القراءة والكتابة أكثر الملفات دلالة على الفجوة بين تطوير المنظومة وتحسين نتائجها التعليمية.

فخلال المرحلة الأولى من برنامج علاج ضعف القراءة والكتابة، خضع نحو 438 ألف تلميذ لاختبارات تحديد المستوى، وتبين أن 45.5% منهم دون المستوى المطلوب في القراءة.

وبعد تدخل البرنامج، ارتفعت نسبة من وصلوا إلى المستوى المطلوب إلى 71%، مع تحسن مستوى أكثر من 72 ألف تلميذ.

وفي المرحلة الثانية، اختُبر نحو 426 ألف تلميذ، وتحسن مستوى 23 ألفًا منهم، بينما وصلت نسبة من حققوا المستوى المطلوب إلى 73%.

أما المرحلة الثالثة، التي بدأت في فبراير 2026، فضمت أكثر من 522 ألف تلميذ، ولا تزال نتائجها النهائية قيد التجميع.

وبذلك تجاوز عدد الأطفال الذين شملهم البرنامج 1.38 مليون تلميذ في 27 محافظة، مع تدريب نحو 30 ألف معلم.

هذه الأرقام تحمل جانبًا إيجابيًا، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم المشكلة الأصلية: مئات الآلاف من الأطفال احتاجوا إلى تدخل علاجي للوصول إلى مهارة أساسية يفترض أن تكون نقطة انطلاق لبقية العملية التعليمية.

وهنا لا يكفي السؤال عن عدد الأطفال الذين تحسنوا بعد البرنامج، بل يجب معرفة ما إذا كان التحسن مستدامًا. وهل انتقل من قراءة الكلمات إلى الفهم والاستيعاب والقدرة على الكتابة والتعبير.

160 منهجًا مطورًا.. لكن ماذا عن طريقة التدريس؟

تقول الوزارة إنها طورت 94 منهجًا في التعليم العام. ليصل إجمالي المناهج المطورة للعام الدراسي الجديد إلى 160 منهجًا بعد إضافة مناهج البكالوريا المصرية.

وتشمل التطويرات اللغة العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم والدراسات الاجتماعية والتربية الدينية. إلى جانب إدخال البرمجة والذكاء الاصطناعي في الصف الأول الثانوي.

وأظهر تقييم سريع أجرته الوزارة في مايو 2026 أن 91% من مديري المدارس قيّموا تغييرات المناهج بصورة إيجابية. مقابل 81% من المعلمين.

لكن تطوير الكتاب المدرسي لا يعني بالضرورة تغيير طريقة التعلم.

فإذا ظل الطالب يعتمد على الحفظ، وظلت الأسرة مضطرة إلى اللجوء للدرس الخصوصي لفهم المادة. فإن تغيير محتوى الكتاب وحده لن يحسم مشكلة التعليم.

وهنا تظهر إحدى أكثر المشكلات تعقيدًا في المنظومة: الدروس الخصوصية ليست مجرد مشكلة مالية. بل مؤشر على أن المدرسة لا تزال في بعض الحالات غير قادرة وحدها على تقديم الخدمة التعليمية التي تنتظرها الأسرة.

اقرأ أيضا

عسكرة التعليم في مصر.. لماذا أصبحت الأكاديمية العسكرية جزءًا من تأهيل المعلمين؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى