كشف وزير التموين شريف فاروق أن الحكومة المصرية تتوقع التحول من نظام الدعم العيني إلى الدعم النقدي بعد يناير 2027، في خطوة تستهدف إعادة هيكلة منظومة الدعم وتحسين وصوله إلى مستحقيه.
وأوضح فاروق، على هامش قمة "انطلاق" لقطاع ريادة الأعمال، أن الحكومة تعمل على تطوير آلية تمنح المستفيدين مرونة أكبر في اختيار احتياجاتهم من السلع.
لكن الإعلان يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً بالنسبة لملايين الأسر المصرية: هل ستكفي قيمة هذا الدعم النقدي فعلياً لسد احتياجاتها من الغذاء؟
من السلعة إلى الجنيه.. ماذا يعني التحول؟
بموجب التصور الذي أعلنته الحكومة في أغسطس، ستتوسع قائمة السلع الأساسية المشمولة بالدعم لتضم اللحوم والحبوب والشاي واللبن والعدس والبيض والفول والدواجن، بعدما كانت تقتصر على سلع محدودة مثل الزيت والسكر والمكرونة.
وسيحصل المستفيدون على القيمة المالية للسلع المستحقة لهم بدلاً من كميات ثابتة، بهدف الحد من الهدر والتسرب المرتبطين بالنظام العيني، مع تدرج في قيمة الدعم يمنح الفئات الأكثر احتياجاً مبالغ أكبر وفق الشرائح الاجتماعية والاقتصادية، بحسب ما سبق أن أعلنه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي.
وتخدم منظومة بطاقات التموين الحالية نحو 60 مليون شخص، يحصل كل منهم على 50 جنيهاً شهرياً فقط لشراء مجموعة محدودة من السلع المدعمة، بينما يستفيد نحو 70 مليون شخص من دعم الخبز بشكل منفصل. وحتى الآن، لم تعلن الحكومة أي رقم رسمي لقيمة الدعم النقدي البديل، إذ لا تزال التفاصيل التنفيذية -من قواعد الاستحقاق إلى آليات الصرف- قيد الدراسة.
الفجوة بين القيمة الحالية والأسعار الفعلية
يكمن جوهر القلق في أن الـ50 جنيهاً الحالية لكل فرد شهرياً لم تعد تغطي عملياً سوى جزء ضئيل من احتياجات الأسرة الغذائية، في وقت سجل فيه معدل التضخم السنوي في مصر 12.7% خلال أغسطس 2026، بينما قفزت أسعار مجموعة الطعام والمشروبات وحدها 6.5% على أساس سنوي، مدفوعة بارتفاع أسعار الخضروات 27.7%، والبن والشاي 9.8%، والفاكهة 8.1%.
هذا التآكل المستمر في القوة الشرائية يعني أن أي قيمة نقدية جديدة للدعم ستحتاج إلى تعديل دوري حقيقي لمواكبة الأسعار. وإلا فقدت جزءاً كبيراً من جدواها خلال أشهر قليلة من تطبيقها. كما حدث مع قيمة الدعم العيني الحالية التي لم تُعدَّل بما يتناسب مع وتيرة الغلاء خلال السنوات الأخيرة.
غياب أرقام الفقر الرسمية يزيد الغموض
يتفاقم هذا القلق مع غياب بيانات رسمية محدّثة عن نسبة الفقر في مصر منذ آخر بحث للدخل والإنفاق الصادر عام 2020. والذي سجل حينها معدل فقر 29.7% ومعدل فقر مدقع 4.5%.
وفي ظل توقف تحديث هذه الأرقام رسمياً لسنوات، تتفاوت التقديرات غير الرسمية بشكل كبير. إذ تشير بعض التحليلات إلى تجاوز نسبة الفقر 32% إلى 35% من السكان. فيما تضع تقديرات أخرى أعتمدت على خطوط فقر دولية أعلى. (كخط الفقر الخاص بالدول متوسطة الدخل عند 3.65 دولار يومياً) نسبة أكبر من ذلك بكثير.
هذا الغموض في الأرقام يجعل من الصعب على الحكومة نفسها، أو على المراقبين المستقلين. تقدير ما إذا كانت شرائح الدعم المقترحة ستصل فعلاً إلى كل من يحتاجها، أو بالقيمة الكافية لسد الفجوة الغذائية لديهم.
وعود حكومية بعدم خفض قيمة الدعم.. لكن بلا أرقام بعد
أكدت الحكومة مراراً، على لسان مدبولي ووزير التموين. أن الهدف من التحول إلى الدعم النقدي ليس خفض إجمالي قيمة المخصصات المرصودة له في الموازنة العامة. بل تحسين كفاءة توزيعها وضمان وصولها إلى مستحقيها الفعليين، والحد من الهدر والتسرب في النظام العيني.
كما طرحت تصوراً لمنظومة تدريجية تُقسّم المستفيدين إلى شرائح بحسب أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. بحيث تحصل الأسر الأشد احتياجاً على قيمة دعم أكبر من غيرها.
غير أن خبراء اقتصاديين يشيرون إلى أن نجاح هذا التحول مرهون بعوامل لم تُحسم تفاصيلها بعد. دقة قاعدة بيانات المستحقين لضمان وصول الدعم لمن يستحقه فعلاً دون استبعاد فئات هشة. وجود آلية واضحة وتلقائية لربط قيمة الدعم النقدي بمعدلات التضخم بدلاً من قيمة ثابتة تتآكل مع الوقت. وقدرة الدولة على ضبط الأسواق ومنع التجار من استغلال التحول لرفع الأسعار.
وبدون هذه الضمانات. يحذر مراقبون من أن الانتقال إلى الدعم النقدي قد يتحول إلى عبء إضافي على الأسر الأكثر فقراً بدلاً من أن يكون حلاً لمشكلاتها. خصوصاً إذا لم تُصرف القيمة الجديدة بمعدل يتناسب مع الارتفاع المستمر في أسعار السلع الغذائية الأساسية.



