قبل المدرسة.. البيت والمسجد أولاً: خطبة الأزهر تعيد طرح سؤال التربية الغائبة
مع انطلاق العام الدراسي الجديد، اختار الدكتور حسن الصغير، رئيس أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة، أن يخصص خطبة الجمعة بالجامع الأزهر لموضوع "مدرسة الرسول ﷺ"، في رسالة لم تكن موجهة للأبناء وحدهم، بل لأولياء الأمور أولاً، بوصفهم حلقة التربية الأولى التي تسبق أي مدرسة نظامية.
التربية تسبق التعليم
أكد الصغير في خطبته أن "التربية تسبق التعليم"، وأن الأبناء بحاجة إلى أن يُربَّوا على الإيمان والقيم قبل أن ينشغلوا بوسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا، مستشهداً بوصية لقمان لابنه في القرآن الكريم، وبحديث النبي ﷺ لابن عباس الذي يعلّمه فيه معنى التوكل على الله والثقة في قدره.
وأوضح أن هذه المدرسة، مدرسة النبي ﷺ، "لا تعلم الأبناء فقط، وإنما تعلم أولياء الأمور كيف يتحملون مسؤولياتهم"، مستشهداً بالآية التي تخاطب الآباء والأمهات مباشرة: "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً"، مضيفاً أن الزوجات والأمهات أيضاً معنيات بهذا الدرس، "لأن الكل راعٍ ومسؤول عن رعيته".
بهذا الترتيب -البيت أولاً، ثم المسجد بوصفه امتداداً طبيعياً لتربية البيت، ثم المدرسة أخيراً- تعيد الخطبة طرح سؤال قديم متجدد: من يربي الجيل القادم فعلياً اليوم؟
حين يتخلى البيت عن دوره
الرسالة الضمنية في الخطبة، والتي عبّر عنها الصغير بوضوح حين وصف "كثرة اللغو والكلام" بأنها من "آفات عصرنا... رغم التقدم الحضاري وسرعة وسائل التواصل والاتصال"، تلامس واقعاً بات كثير من التربويين والدعاة يتحدثون عنه بقلق متزايد: تراجع دور الأسرة كأول وأهم مؤسسة تربوية في حياة الطفل، لصالح مصادر أخرى لم تُصنع أصلاً لهذه المهمة.
فبينما كان البيت تقليدياً هو المكان الذي يتلقى فيه الطفل أولى دروسه في القيم والأخلاق والهوية، قبل أن يخطو خطوته الأولى نحو أي باب مدرسة، تغيرت المعادلة في العقود الأخيرة بفعل عوامل متشابكة: انشغال الوالدين بمتطلبات الحياة والعمل حتى بات كثير من الأطفال يقضون ساعات يومهم الأطول بعيداً عن أسرهم، وتسليم الأجهزة الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي للأطفال في سن مبكرة دون رقابة أو توجيه، ما جعلها -بحسب ما تشير إليه الخطبة ضمناً- المرجعية الفعلية التي يستقي منها الطفل قيمه وسلوكياته بدل أن تكون أداة مساعدة تحت إشراف الأسرة.
ونتيجة لذلك، بات كثير من الأسر تُحمّل المدرسة وحدها مسؤولية "تربية" أبنائها. رغم أن دور المدرسة الأساسي هو التعليم لا التربية الكاملة. فيما يشير الصغير إلى أن مدرسة النبي ﷺ بيّنت أن "الهداية مطلوبة في جميع مراحل العمر". وأن من يريد "أن ينشئ نشأً صالحاً. أو يربي تربية صحيحة" فعليه أن يبدأ من هديه ﷺ لا أن ينتظر ذلك من مؤسسة خارج البيت.
المسجد كحلقة وصل مفقودة
إلى جانب البيت، يبرز في الخطبة حضور المسجد كحلقة تربوية ثانية كانت -تاريخياً- امتداداً طبيعياً لتربية الأسرة. عبر خطبة الجمعة والدروس والمناسبات الدينية التي اعتاد الأطفال حضورها برفقة آبائهم.
غير أن هذا الحضور نفسه تراجع في كثير من البيوت. إما بسبب ضعف اصطحاب الأبناء إلى المسجد منذ الصغر. أو بسبب تحول العلاقة بالمسجد إلى مناسبة عابرة لا إلى مصدر تربية منتظم.
رسالة الخطبة: العودة إلى الأصل قبل فوات الأوان
يختم الصغير خطبته بدعوة صريحة إلى ترجمة الإيمان إلى "أفعال وأعمال" لا مجرد أقوال. مستشهداً بالآية "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون". في إشارة إلى أن استعادة دور البيت والمسجد في التربية ليست شعاراً يُقال. بل ممارسة يومية تبدأ من التزام الوالدين أنفسهما بالقدوة قبل مطالبة الأبناء بالالتزام.
وبحسب الخطبة، فإن "خير مدرسة هي مدرسة رسول الله ﷺ"، وهي مدرسة -كما يصفها الصغير- "مفتوحة طوال العام" و"دون مقابل". لكنها في المقابل "تعليم إلزامي" لا مجرد خيار إضافي، بمعنى أن التخلي عنها، سواء من البيت أو من الفرد. له كلفته، كما تشير الآية التي استشهد بها في مطلع الخطبة: "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً".



