لماذا تتصدر مصر العالم في الولادة القيصرية؟ وهل السبب تجاري أم طبي؟
كشفت الدكتورة عبلة الألفي، نائبة وزير الصحة ، عن تصاعد مثير للقلق في معدلات الولادة القيصرية بمصر، التي ارتفعت من 51.8% عام 2014 إلى 72.2% عام 2021، ثم إلى نحو 79% بحسب مسح الأسرة المصرية بنهاية 2025، لتصل إلى نحو 80% خلال العام نفسه.
جاء ذلك خلال افتتاح المؤتمر الدولي للنساء والصحة الإنجابية في أفريقيا 2026، حيث شددت الألفي على أن القضية لا تقتصر على النسبة المرتفعة في حد ذاتها، بل على ضمان حصول كل أم وطفل على الرعاية المثلى التي تتيح بداية صحية وآمنة.
فجوة صارخة بين القطاعين الحكومي والخاص
من أبرز ما كشفته تصريحات نائبة الوزير هو التفاوت الحاد في معدلات القيصرية بين القطاعات الصحية المختلفة: إذ تتراوح النسبة بين 70% و75% في المستشفيات الحكومية، وترتفع إلى ما بين 80% و85% في المستشفيات الجامعية، لتصل إلى مستوى صادم يتراوح بين 90% و92% في القطاع الخاص.
هذه الفجوة الواسعة بين القطاع الخاص والقطاع الحكومي -رغم أن الحالات الطبية التي تستدعي القيصرية لا يُفترض أن تختلف جوهرياً بين المرأة التي تلد في مستشفى حكومي وأخرى تلد في مستشفى خاص- تفتح الباب أمام سؤال أوسع بات يتردد في الأوساط الطبية والإعلامية المصرية منذ سنوات: هل تحول قرار الولادة القيصرية، في جزء كبير منه، من قرار طبي بحت إلى ما يشبه "عملية تجارية"؟
وزارة الصحة نفسها تربط النسبة بـ"نصيحة الطبيب"
المثير أن وزارة الصحة المصرية نفسها أشارت في وقت سابق إلى أن نحو 75% من أسباب ارتفاع نسبة الولادة القيصرية يعود إلى "نصيحة مقدم الخدمة"، أي الطبيب المعالج، وليس إلى ضرورة طبية قاهرة تفرضها حالة الأم أو الجنين.
وهو ما يفسر، بحسب متخصصين، لماذا يوصف الدافع المادي بأنه أحد أهم العوامل المتشابكة وراء الظاهرة: فالولادة القيصرية أكثر ربحية للطبيب من الولادة الطبيعية، وتستغرق وقتاً وجهداً أقل، وتتيح للطبيب أو المستشفى جدولة موعد الولادة مسبقاً بدلاً من انتظار بدء المخاض الطبيعي الذي قد يمتد ساعات طويلة وأحياناً أياماً.
وتشير بيانات نشرتها دراسات سابقة إلى أن كلفة الولادة القيصرية في القطاع الخاص قد تصل إلى نحو 15 ألف جنيه، مقارنة بنحو 4 آلاف جنيه في مستشفيات وزارة الصحة، وبفارق قد يصل إلى 466% مقارنة بتكلفة الولادة الطبيعية في بعض الحالات، وهو فارق مالي كبير يجعل الحافز الاقتصادي لدى مقدمي الخدمة الصحية الخاصة أحد أبرز التفسيرات المطروحة لتفشي الظاهرة في هذا القطاع تحديداً.
أسباب أخرى غير تجارية تشترك في تفسير الظاهرة
مع ذلك، لا يمكن اختزال الظاهرة بالكامل في الدافع المادي وحده. إذ أوضحت نائبة وزير الصحة أن التحديات تشمل أيضاً "الخوف من آلام المخاض"، حيث يفضل عدد كبير من النساء الولادة القيصرية تجنباً لألم الولادة الطبيعية. إلى جانب "الممارسة الطبية الدفاعية". وهي ميل بعض الأطباء إلى تفضيل القيصرية تجنباً لأي مضاعفات محتملة. قد تُحمّلهم مسؤولية قانونية في حال حدوث مشكلة أثناء الولادة الطبيعية. إضافة إلى الحاجة إلى تعزيز التزام الأطباء بالأدلة الإرشادية الطبية المعتمدة عالمياً بشأن متى تكون القيصرية ضرورية فعلاً.
أثر صحي مقلق يوازي الجدل حول الدوافع
لا يقتصر القلق على البعد الاقتصادي أو الأخلاقي للظاهرة، بل يمتد إلى انعكاساتها الصحية المباشرة. إذ أشارت الألفي إلى أن ارتفاع معدلات القيصرية يتزامن مع تراجع في بعض مؤشرات صحة الأمهات والمواليد. حيث عاد معدل وفيات الأمهات للارتفاع مجدداً ليصل إلى 44.5 حالة (لكل 100 ألف مولود حي على الأرجح) خلال عام 2025. مع ظهور "الأسباب الجراحية" -المرتبطة مباشرة بعمليات القيصرية- كأحد الأسباب الرئيسية لهذه الوفيات.
كما ارتفع معدل وفيات حديثي الولادة من 11 إلى 18 حالة لكل ألف مولود. وهو ما دفع الوزارة، بحسب تصريحاتها، إلى دراسة الأسباب بعمق وتطوير منظومة الرعاية المحيطة بالولادة.
خطة الوزارة: رعاية القبالة وتقليل التدخل غير الضروري
في إطار مواجهة الظاهرة. أوضحت نائبة الوزير أن الوزارة تعمل على إعادة تصميم منظومة رعاية الأمومة والطفولة بما يضمن الاهتمام بالعملية الفسيولوجية الطبيعية للولادة. وتحسين الرعاية خلال المخاض والولادة والرضاعة الطبيعية، ودعم التلامس المباشر "جلداً لجلد" بين الأم والمولود خلال الساعة الأولى بعد الولادة.
كما تعمل الوزارة على تعزيز نموذج "رعاية القبالة" الذي أطلقه وزير الصحة خالد عبد الغفار في مايو 2025. من خلال فريق متكامل يضم طبيب النساء والقابلة والتمريض وفريق حديثي الولادة وطبيب التخدير. مع توفير خدمات التخدير النصفي على مدار الساعة لتقليل حافز اللجوء للقيصرية هرباً من الألم.



