اقتصادتقارير

750 جراما شهريا فقط.. حصة المواطن المصري من اللحم تكشف فقرهم المقدح

"عمليات بيع بكميات محدودة".. هكذا يصف رئيس شعبة القصابين هيثم عبدالباسط واقع محال الجزارة في مصر اليوم، في وصف مقتضب يخفي خلفه مأساة معيشية أعمق بكثير من أزمة تجارية عابرة: مواطن لم يعد يستطيع شراء اللحم إلا بكميات ضئيلة، إن استطاع أصلا.

الأرقام التي كشفها عبدالباسط عن إغلاق 5 إلى 6 محال جزارة شهريا ليست مجرد مؤشر اقتصادي على أزمة قطاع تجاري، بل شاهد مباشر على تراجع قدرة شريحة واسعة من المصريين على الوصول لأحد أهم مصادر البروتين في غذائهم اليومي.

شهادة الجزار.. معادلة مستحيلة بين التكلفة والبيع

يصف عبدالباسط المأزق الذي يواجهه أصحاب محال الجزارة بدقة: تكاليف تشغيل تواصل ارتفاعها -إيجارات، فواتير كهرباء ومياه، تضخم عام- في مقابل عجز تام عن رفع الأسعار بما يتناسب مع هذه الزيادات، بسبب ضعف القدرة الشرائية للمستهلكين نفسها.

هذه المعادلة المستحيلة، التي وصفها بأنها تضع الجزار "أمام عمليات بيع بكميات محدودة"، ليست مجرد شكوى تجارية، بل ترجمة مباشرة لواقع أن المواطن العادي بات يشتري اللحم بالجرام أحيانا لا بالكيلوجرام، أو يستغني عنه تماما لصالح بدائل أرخص.

أرقام صادمة.. من 18 كيلو إلى 9 كيلو سنويا للفرد

يكشف تحليل بيانات المجلس المصري لبحوث الرأي العام "بصيرة" عن حجم الانهيار الفعلي في استهلاك اللحوم الحمراء بمصر: تراجع من 18 طنا لكل ألف من السكان عام 2018 إلى 9 أطنان فقط لكل ألف نسمة عام 2022، أي انخفاض بنسبة 50% خلال أربع سنوات فقط.

بلغة أبسط، يعني هذا أن نصيب الفرد المصري السنوي من اللحوم الحمراء لا يتجاوز اليوم 9 كيلوجرامات، أي ما يعادل 750 جراما فقط شهريا -أقل من كيلو واحد لكل أسرة تقريبا شهريا، لا لكل فرد فيها.

هذا الرقم يضع مصر في موقع بعيد جدا عن المعدلات العالمية الموصى بها لاستهلاك البروتين الحيواني، ويؤكد أن ما يصفه القصاب بـ"الكميات المحدودة" ليس مبالغة، بل واقع رقمي موثق يمس غالبية الأسر المصرية.

السعر يقفز.. والدخل يقف مكانه

تشير بيانات رسمية من بوابة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء إلى أن متوسط سعر كيلو اللحوم الحمراء بلغ 444.4 جنيه في القاهرة بنهاية مايو 2026، بزيادة سنوية بلغت 11.7% خلال عام واحد فقط.

وتتصاعد الفجوة أكثر عند النظر للقطعيات الفاخرة التي باتت تلامس حدود 550 و560 جنيها للكيلوجرام في بعض المنافذ، بينما يصل سعر الكفتة والكباب الجاهز في المنافذ الاستهلاكية إلى ما بين 200 و350 جنيها للكيلو.

مقابل هذه الأسعار، لا يزال الحد الأدنى للأجور ومتوسط الدخول الفعلية للأسرة المصرية بعيدا كل البعد عن مواكبة هذه الزيادات، ما يعني عمليا أن شراء كيلو واحد من اللحم بات يستهلك نسبة متزايدة من الدخل الشهري لملايين الأسر، خاصة تلك التي تعتمد على أجور ثابتة لا تُعدَّل بنفس وتيرة التضخم.

أسباب هيكلية لا موسمية.. من الجنيه إلى الأعلاف

يرجع خبراء الثروة الحيوانية هذا الارتفاع المستمر لعوامل بنيوية متراكمة لا ترتبط بموسم استهلاكي عابر. تراجع قيمة الجنيه المصري الذي رفع كلفة استيراد الأعلاف ومستلزمات التربية، وضعف الدعم الفني المقدم للمربين المحليين. وغياب استراتيجية واضحة طويلة المدى لتقليل اعتماد مصر على الاستيراد الخارجي لسد فجوة الإنتاج المحلي من اللحوم.

هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تقليص المعروض المحلي، في وقت تتزايد فيه الفجوة الغذائية بين الإنتاج والاستهلاك عاما بعد عام. بحسب تقديرات سابقة أشارت إلى اتساعها من نحو 278 ألف طن عام 2005 إلى 440 ألف طن بحلول 2019. أي بزيادة تتجاوز 58% خلال أقل من عقد ونصف.

إغلاق المحال.. مؤشر اقتصادي على أزمة اجتماعية

يكتسب رقم "5 إلى 6 محال جزارة تغلق شهريا" الذي كشفه عبدالباسط دلالة مضاعفة حين يُقرأ في سياق هذه الأرقام. فإغلاق محل جزارة لا يعني فقط خسارة تجارية لصاحبه. بل يعكس انكماشا فعليا في الطلب الشعبي على اللحوم في المنطقة التي كان يخدمها. لدرجة لم تعد تبرر استمرار نشاط تجاري بأكمله.

هذا النمط، إن استمر بالوتيرة نفسها، ينذر بتراجع أعمق في البنية التجارية التقليدية لبيع اللحوم في الأحياء الشعبية تحديدا. لصالح تركز الاستهلاك المتبقي في منافذ أكبر أو سلاسل تموينية مدعومة قد لا تصل بالضرورة لكل المناطق بنفس الكفاءة.

اقرأ أيضا

26 مليار جنيه للعلمين وحدها.. كيف تتوزع استثمارات الإسكان بين الفقراء والأثرياء؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى