بعد أقل من أسبوعين على انطلاق العام الدراسي، عادت أزمة عجز المعلمين إلى الواجهة مجددًا، لكن هذه المرة عبر إعلانات متفرقة نشرتها مدارس حكومية في محافظات مختلفة تطلب فيها معلمين للعمل بالحصة أو بنظام التطوع والخدمة العامة، في مشهد يطرح تساؤلات حول مدى نجاح الإجراءات الحكومية التي أعلنتها وزارة التربية والتعليم لسد العجز، وما إذا كانت سياسة الاستعانة بمعلمين مقابل 50 جنيهًا للحصة تمثل حلًا حقيقيًا لأزمة مزمنة تعانيها المدارس المصرية.
ورصدت إعلانات رسمية صادرة عن عدد من المدارس الحكومية احتياجات عاجلة لمعلمين في تخصصات مختلفة، شملت اللغة العربية والرياضيات واللغة الإنجليزية والبرمجة والذكاء الاصطناعي والثقافة المالية، سواء بنظام الحصة أو التطوع أو الخدمة العامة.
ففي محافظة المنوفية، أعلنت المدرسة الثانوية القديمة للبنات بشبين الكوم حاجتها إلى معلمي لغة عربية بالأجر، إلى جانب معلمين لمادة الثقافة المالية بنظام التطوع من خريجي التجارة أو التربية.

كما أعلنت مدرسة الشهيد خيري السحيمي الثانوية المشتركة عن حاجتها إلى معلمي البرمجة والذكاء الاصطناعي.
وفي القاهرة، أعلنت مدارس السيدة خديجة الثانوية بشبرا الخيمة، والسادات الابتدائية بحدائق القبة، ومدرسة الشهيد عبد الرحمن الشناوي بالشروق، ومدرسة محمد وحيد الرسمية لغات بالقاهرة الجديدة، عن احتياجات مماثلة لمعلمين في عدد من التخصصات، مع توجيه الراغبين إلى التقديم مباشرة داخل المدارس.
أزمة أعلنها الوزير نفسه
هذه الإعلانات لا تبدو مجرد إجراءات اعتيادية مع بداية الدراسة، بل تعكس استمرار أزمة سبق أن اعترفت بها وزارة التربية والتعليم نفسها، إذ أكد وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف في أكثر من مناسبة أن المنظومة التعليمية تعاني عجزًا كبيرًا في أعداد المعلمين، وهو ما دفع الوزارة إلى تبني عدة مسارات لسد الفجوة، من بينها مسابقات التعيين والاستعانة بمعلمي الحصة ورفع نصاب المعلمين الحاليين.
ورغم تلك الإجراءات، فإن استمرار المدارس في البحث بنفسها عن معلمين بعد بدء الدراسة مباشرة يوحي بأن الأزمة لم تُحسم، وأن بعض الإدارات التعليمية لا تزال تعتمد على حلول محلية مؤقتة لضمان استمرار اليوم الدراسي.
50 جنيهًا للحصة.. حل مؤقت أم تكريس للأزمة؟
وفي محاولة لمواجهة العجز، أعادت الوزارة التأكيد على السماح بالاستعانة بحملة المؤهلات العليا التربوية للعمل بنظام الحصة، على ألا تتجاوز قيمة الحصة الواحدة 50 جنيهًا، مع إمكانية الاستعانة بالمعلمين الذين يعملون فوق النصاب القانوني. وكذلك بالموجهين في الحالات القصوى.
غير أن هذا النموذج يثير تساؤلات حول قدرته على جذب الكفاءات أو تحقيق الاستقرار داخل المدارس. خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة واعتماد العملية التعليمية على معلمين يعملون بصورة مؤقتة أو دون ضمانات وظيفية.
كما أن بعض المدارس لم تكتف بالبحث عن معلمين بالحصة، بل أعلنت احتياجها إلى معلمين بنظام التطوع أو أداء الخدمة العامة. وهو ما يعكس تفاوتًا في آليات سد العجز من مدرسة إلى أخرى. بدلًا من وجود منظومة موحدة تضمن توفير معلمين دائمين في جميع التخصصات.
بين التعيين المؤقت والاحتياج الدائم
وتكشف الإعلانات المتتالية أن مسؤولية سد العجز انتقلت، في كثير من الأحيان، من الوزارة إلى إدارات المدارس. التي أصبحت تنشر بنفسها إعلانات عبر صفحاتها الرسمية أو مواقع التواصل الاجتماعي بحثًا عن معلمين. في وقت يفترض فيه أن تكون احتياجات المدارس قد حُددت قبل بداية العام الدراسي.
ويرى متابعون للشأن التعليمي أن الاعتماد المستمر على معلمي الحصة والتطوع قد يساهم في استمرار الدراسة ومنع توقف الفصول. لكنه لا يعالج جذور الأزمة المتمثلة في النقص المزمن في أعداد المعلمين. ولا يوفر استقرارًا مهنيًا أو تعليميًا ينعكس على جودة العملية التعليمية.
هل تكفي الحلول المؤقتة؟
وبينما تؤكد وزارة التربية والتعليم أن إجراءاتها تستهدف ضمان عدم وجود فصول بلا معلمين. تطرح الإعلانات التي ظهرت بعد أسبوعين فقط من بدء الدراسة سؤالًا أوسع حول مدى فعالية سياسة سد العجز بالحصة. وما إذا كانت قادرة على إنهاء أزمة تعترف الحكومة نفسها بأنها تمتد إلى عشرات الآلاف من المعلمين. أم أنها مجرد حل مؤقت يتكرر مع بداية كل عام دراسي، بينما تبقى المشكلة الأساسية دون معالجة جذرية.
