كشف تحقيق موسّع نشرته مجلة "ذا أتلانتيك" الأمريكية عن زيارة سرية قام بها رئيس المخابرات العامة المصرية الأسبق عباس كامل إلى إسرائيل قبل 11 يوماً فقط من هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر 2023، حاملاً تحذيراً عاجلاً من أن غزة "ستنفجر" ما لم تغيّر إسرائيل سياستها تجاه القطاع.
زيارة استمرت 67 دقيقة فقط
بحسب التحقيق، هبطت طائرة سيسنا مستأجرة تابعة لجهاز المخابرات المصري في مطار بن غوريون في 26 سبتمبر 2023، أي على بعد نحو 30 ميلاً فقط من اجتماع كان يعقده قادة إسرائيل لإحياء الذكرى الخمسين لحرب أكتوبر 1973، وتوقفت الطائرة في قسم معزول من المطار مخصص للبعثات الدبلوماسية والأمنية الحساسة.
ويؤكد سجل رحلات هيئة المطارات الإسرائيلية، إلى جانب تطبيقات تتبع الرحلات الجوية المستقلة، أن الطائرة بقيت على الأرض 67 دقيقة فقط قبل عودتها إلى القاهرة، دون أن يتضح حتى الآن مع من التقى كامل تحديداً خلال هذه المدة القصيرة.
مضمون التحذير: "غزة ستنفجر في وجوهكم"
نقل عباس كامل، بحسب مسؤولين إسرائيليين ومصريين وعرب وأمريكيين وأوروبيين اطُّلعوا على تفاصيل الزيارة لاحقاً، أن حركة حماس بدت وكأنها تستعد لشن هجوم كبير، محذراً من أن فرصة تجنب الكارثة "تضيق"، وأوصى الحكومة الإسرائيلية بتقديم تنازلات اقتصادية لحماس لتجنب المواجهة.
ونقل مسؤول إسرائيلي سابق اطُّلع لاحقاً على الزيارة فحوى رسالة كامل بعبارة مباشرة: "إذا لم تغيّروا مساركم، فستنفجر غزة في وجوهكم".
لكن كامل، بحسب التحقيق، لم يقدّم للمسؤولين الإسرائيليين تاريخاً محدداً أو معلومات دقيقة عن طبيعة الهجوم الذي تبيّن لاحقاً أنه متعدد الجوانب، والذي وقع بعد أقل من أسبوعين فقط من هذه الزيارة.
"الرسول كان هو الرسالة"
شدد مسؤولون من سبع دول مختلفة تحدثوا لمجلة أتلانتيك على أن مجرد وجود رئيس المخابرات المصرية شخصياً في إسرائيل، في زيارة نادرة الحدوث، كان ينبغي أن يدق ناقوس الخطر في أعلى مستويات الحكومة الإسرائيلية، خصوصاً أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حضر جلسة إحاطة سرية عقب إحياء ذكرى حرب أكتوبر في اليوم نفسه تقريباً، ووافق بعدها بفترة وجيزة على تقديم بعض التسهيلات الاقتصادية لحماس.
وقال أحد المسؤولين الإسرائيليين السابقين معلقاً: "كان الرسول هو الرسالة"، مضيفاً أنه "لا يُعقل أن يجتمع كبار المسؤولين الإسرائيليين مع رئيس المخابرات المصرية دون علم نتنياهو".
كما أوضحت المجلة أن زيارات كامل لإسرائيل نادرة أصلاً. وكانت آخر زيارة معروفة له قبل ذلك في مايو وأغسطس 2021 عقب حرب إسرائيل وحماس في ذلك العام.
نفي إسرائيلي قاطع
نفى مكتب نتنياهو، في الأيام التي أعقبت هجوم 7 أكتوبر مباشرة. تلقيه أي تحذيرات مباشرة أو غير مباشرة من مصر بشأن الوضع في غزة، ووصف تقارير مشابهة وقتها بأنها "أخبار زائفة".
كما نفى تساحي هانغبي، رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي آنذاك. هذا الأسبوع تحديداً وجود أي زيارة من كامل أو أي تحذير مصري من أي نوع.
ولم يردّ متحدثون باسم نتنياهو ولا باسم عبد الفتاح السيسي على طلبات التعليق المتكررة التي وجهتها المجلة بشأن الزيارة.
في المقابل، سبق لمسؤول استخباراتي مصري أن صرّح لوكالة أسوشيتد برس بعد يومين فقط من هجوم 7 أكتوبر. بأن إسرائيل تجاهلت تحذيرات مصرية متكررة بأن حماس كانت تُعِدّ "لشيء كبير".
كما صرّح رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي آنذاك. مايكل ماكول، للصحفيين في 11 أكتوبر 2023 عقب جلسة إحاطة سرية للنواب. بأن "مصر حذّرت الإسرائيليين قبل ثلاثة أيام من احتمال وقوع حدث كهذا". مضيفاً أن السؤال المطروح كان "حول مستوى هذا التحذير" وليس وجوده من عدمه.
تحذير إماراتي موازٍ
تزامنت زيارة كامل مع اتصال هاتفي تلقاه نتنياهو من ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، الذي سعى، بحسب التقارير. لنقل تقييمه بأن زعيم حماس يحيى السنوار كان يخطط لهجوم كبير.
وبحسب رواية أخرى استندت إليها صحيفة "هآرتس" نقلاً عن تحقيق أُعدّ لكتاب "مخطوفون: 843 يوماً من الإهمال". خشي بن زايد من أن يؤدي عدم التحرك إلى زعزعة استقرار المنطقة والإضرار باتفاقيات إبراهيم. لكن نتنياهو ردّ بهدوء نسبي مؤكداً أن إسرائيل "مستعدة لجميع السيناريوهات". ولم يُطلع قادة المؤسسة الأمنية على تفاصيل هذه المكالمة.
وقد رفض مكتب نتنياهو هذه الرواية أيضاً، نافياً إجراء أي اتصال مع بن زايد خلال تلك الفترة.
