أصدر عبد الفتاح السيسي القرار الجمهوري بتفويض وزير الدفاع والإنتاج الحربي في بعض اختصاصات رئيس الجمهورية المنصوص عليها في قانون التعبئة العامة، على أن يسري التفويض لمدة عام كامل اعتباراً من أول نوفمبر 2026.
ونُشر القرار في الجريدة الرسمية بالعدد 38 مكرر بتاريخ 22 سبتمبر 2026.
ماذا يتضمن القرار تحديداً؟
يفوّض القرار وزير الدفاع في الاختصاصات المنصوص عليها في المواد 9 و12 و24 من القانون رقم 87 لسنة 1960 بشأن التعبئة العامة.
وبموجب هذا التفويض، يصبح لوزير الدفاع والإنتاج الحربي صلاحية إصدار قرارات التكليف للعمل بالقوات المسلحة، سواء بالصفة العسكرية أو المدنية وفي مختلف التخصصات، إلى جانب صلاحية إصدار قرارات بشأن كل أو بعض التدابير اللازمة لدعم "المجهود الحربي" أو لمواجهة الكوارث والأزمات، وذلك في الحالات التي يحددها قانون التعبئة العامة.
المفتاح لفهم القرار
الأهم في قراءة دلالات هذا القرار هو أنه ليس إجراءً غير مسبوق أو مفاجئاً، بل يستند نص القرار نفسه صراحة إلى "قرار رئيس الجمهورية السابق رقم 624 لسنة 2025 بشأن تفويض وزير الدفاع والإنتاج الحربي في بعض اختصاصات رئيس الجمهورية" المنصوص عليها في القانون ذاته.
بمعنى آخر، هذا التفويض صدر العام الماضي أيضاً بقرار مماثل (رقم 624 لسنة 2025)، وها هو يتجدد الآن لعام إضافي بقرار جديد يحمل رقماً مختلفاً (395 لسنة 2026) عند انتهاء مدة سريان القرار السابق.
هذا النمط من التجديد الدوري السنوي، المستند إلى قانون صادر أصلاً منذ عام 1960، يشير بقوة إلى أن الأمر أقرب لإجراء إداري وقانوني روتيني يتكرر كل عام لضمان استمرارية العمل بأحكام قانون التعبئة العامة، أكثر من كونه قراراً استثنائياً اتُّخذ لأول مرة في هذا التوقيت بالذات.
هل يحمل التوقيت دلالة سياسية خاصة؟
يثير البعض تساؤلات حول ما إذا كان توقيت هذا التفويض -قبيل الحديث المتصاعد عن احتمال ترشح الرئيس السيسي لفترة رئاسية جديدة عند اقتراب نهاية ولايته الحالية- يحمل رسالة سياسية موجهة لمؤسسة الجيش، كنوع من "حسن النية" أو منح صلاحيات إضافية لضمان تأييد المؤسسة العسكرية.
غير أن هذه القراءة تصطدم بمعطى أساسي: بما أن القرار ذاته إجراء سنوي متكرر يستند لقانون عمره أكثر من 65 عاماً، ويتكرر بالصيغة نفسها تقريباً عاماً بعد آخر بصرف النظر عن السياق السياسي المحيط، فإن ربطه تحديداً بحسابات سياسية آنية مرتبطة بمسألة التمديد أو الترشح لفترة جديدة يفتقر إلى دليل مباشر يميز هذا التجديد عن سابقيه من التفويضات السنوية المماثلة التي صدرت في سنوات سابقة دون أن ترافقها قراءات سياسية مماثلة.
بعبارة أخرى، لا يبدو أن هناك ما يشير إلى أن مضمون هذا التفويض أو نطاقه قد توسّع بشكل جوهري. عن نظيره الصادر العام الماضي بما يبرر قراءته كخطوة استثنائية لتعزيز نفوذ المؤسسة العسكرية بشكل مفاجئ. بل يبدو استمراراً لترتيب إداري قائم أصلاً ضمن العلاقة المؤسسية الممتدة تاريخياً بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية في مصر. والتي تتجاوز بطبيعتها أي شخص بعينه يشغل منصب الرئيس أو وزير الدفاع في لحظة زمنية محددة.
سياق إقليمي متوتر
في المقابل، يمكن النظر لاستمرار العمل بمثل هذا الإطار التفويضي في ضوء السياق الإقليمي المضطرب الذي تمر به المنطقة حالياً. والذي قد يجعل الحاجة لجاهزية إجرائية سريعة في ملفات التعبئة والمجهود الحربي أمراً ذا أولوية عملية. بصرف النظر عن أي حسابات سياسية داخلية.
فمصر تتابع حالياً على حدودها وفي محيطها الإقليمي عدة ملفات ساخنة في آن واحد. تصعيد عسكري متجدد في إقليم تيغراي الإثيوبي مع تحذيرات من تجدد الحرب الأهلية هناك. واستمرار الحرب الدائرة في السودان المجاور منذ 2023. وتصاعد التوترات في البحر الأحمر ومضيق باب المندب جراء الهجمات الحوثية على الملاحة الدولية والسعودية. إلى جانب تبعات الحرب في غزة وتداعياتها الأمنية على سيناء.
ووجود إطار قانوني وإداري جاهز ومفوّض مسبقاً لوزير الدفاع للتعامل السريع مع أي طارئ يستدعي تفعيل أحكام قانون التعبئة العامة. سواء تعلق الأمر بالتكليف للعمل بالقوات المسلحة أو تدابير مواجهة الكوارث والأزمات. يبدو منطقياً كإجراء احترازي روتيني في ظل هذا المشهد الإقليمي المضطرب، بصرف النظر عن أي حسابات سياسية داخلية محتملة.
