استقالة رئيس الأوبرا تكشف أزمة أعمق.. هل يتراجع مستوى الفن المصري فعلاً؟
هزت استقالة رضا الوكيل، رئيس دار الأوبرا المصرية، الوسط الفني خلال الساعات الماضية، عقب الجدل الذي أثارته تصريحاته بشأن ميزانية مهرجان الموسيقى العربية في دورته الـ34، في أزمة تكشف أبعاداً أوسع بكثير من مجرد خلاف إداري عابر، وتعيد فتح ملف تراجع الإمكانات المالية والمؤسسية للفن الرسمي في مصر.
"فلوس دول تانية".. الشرارة التي أشعلت الأزمة
خلال المؤتمر الصحفي للمهرجان، برر الوكيل غياب عدد من كبار المطربين عن الدورة الجديدة بمحدودية الميزانية المتاحة، قائلاً: "معندناش فلوس كتير زي الدول التانية اللي مش عارفة تصرف فلوسها فين"، في تصريح اعتبره كثيرون "غير مسؤول" ومهيناً لمكانة الفنانين المصريين.
وأعلن الوكيل لاحقاً استقالته عبر "فيسبوك"، مؤكداً أنه كان يتمنى الاستمرار حتى نهاية فترة تعيينه، لكنه رفض أي تدخل في اختياراته الفنية ويرفض السماح لأي طرف بالتحكم في قراراته الخاصة بدعم فنانين يثق في موهبتهم.
انسحابات فنية متتالية تكشف أزمة التمويل
لم تكن تصريحات الوكيل سوى الفصل الأخير في أزمة كانت تتصاعد بالفعل، إذ أعلن الفنان الكبير علي الحجار اعتذاره عن المشاركة للمرة الأولى منذ انطلاق المهرجان، كاشفاً أن السبب الحقيقي هو اعتماد دار الأوبرا "ميزانية مالية ضعيفة ومهينة" لأعضاء فرقته الموسيقية المصاحبة، مضيفاً بحدة: "الفنان المحترم هو الذي يضيف هذا الاحترام للأوبرا... والحفلات التي يقيمها الفنان تساهم في زيادة الدخل المادي الذي تُدفع منه أجور الفنانين، وليس فضلاً من دار الأوبرا".
كما أعلن النجم محمد ثروت انسحابه مؤكداً أنه "لن يشارك في أي موقف ينطوي على إهانة للفن المصري أو الفنانين المصريين"، فيما انتقد المايسترو هاني فرحات، الذي سبق أن ترأس المهرجان في دورته الـ32، التصريحات بشدة، مستعرضاً تجربته الخاصة حين لم يطلب أي نجم عربي أجراً أو يعترض على المشاركة، بل "كان الجميع فخوراً بأن يكون جزءاً من مهرجان مصر".
مؤشر على أزمة مالية أعمق داخل الأوبرا
يتضح أن جذور الأزمة تتجاوز تصريح عابر في مؤتمر صحفي، إذ سبق لوزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي أن أحالت 4 من موظفي دار الأوبرا إلى النيابة الإدارية على خلفية أزمات مالية شهدتها الدار خلال الفترة الأخيرة، ضمن تحركات وزارية لضبط منظومة العمل المالي والإداري داخل المؤسسات الثقافية، مع تشكيل لجان مماثلة لمراجعة أوضاع الهيئة المصرية العامة للكتاب والمركز القومي للسينما.
هذا التزامن بين أزمة مالية موثقة رسمياً داخل الأوبرا وبين تصريحات رئيسها حول "عدم وجود فلوس كتير". يشير إلى أن الأزمة الحالية قد تكون عرضاً لمشكلة مؤسسية أعمق في إدارة الموارد المالية للمؤسسات الثقافية الكبرى. لا مجرد زلة لسان فردية.
"تتعدد الكوارث".. ناقد فني يحذر من نمط أوسع
وضع الناقد الفني طارق الشناوي هذه الأزمة في سياق أشمل. محذراً من أن ما يحدث في وزارة الثقافة حالياً "سوف تتعدد الكوارث فيه". ومطالباً برئيس الوزراء بالإسراع في تسمية وزير ثقافة جديد "ملم بكل تفاصيل الحياة الثقافية".
ولم تكن هذه أول مرة ينتقد فيها الشناوي أوضاع القطاع الثقافي الرسمي. إذ سبق له أن كشف عن إهمال صادم طال أرشيف ماسبيرو التاريخي. موضحاً أن نحو 90% من هذا الأرشيف -الذي يضم تسجيلات تاريخية لنجوم الفن والأدب على مدار عقود. "اختفى" سواء بفعل الإهمال أو بسبب بيع أشرطة الأرشيف لقنوات عربية من قبل أفراد استولوا عليها. واصفاً ما جرى بأنه "كارثة" تمس "ذاكرة أمة" بأكملها، وليس مجرد ملف إداري عابر.
البرلمان يتدخل: تهديد لـ"القوة الناعمة" المصرية
تصاعدت الأزمة لتصل إلى قبة البرلمان. حيث تقدمت النائبة سناء السعيد بسؤال عاجل لوزير الثقافة بشأن التصريحات المنسوبة لإدارة الأوبرا وتداعياتها.
وأكدت السعيد أن أبعاد الأزمة "لا تقتصر على أسماء المشاركين أو تفاصيل برنامج فني". بل تمس مباشرة مكانة دار الأوبرا باعتبارها "إحدى أعرق المؤسسات الثقافية وواجهة رئيسية للقوة الناعمة" المصرية. مطالبة بمراجعة جادة وفورية وكشف الحقيقة الكاملة حول الأسباب الفعلية وراء اعتذار الفنانين. ومدى ارتباطها بخلافات إدارية ومالية أوسع تمس "صورة الفن المصري" ذاتها.

