السيسي يستحضر اغتيال السادات.. هل يخشى تكرار الخطأ نفسه مع سجناء الإخوان؟

استعاد عبد الفتاح السيسي واقعة اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، رابطًا بين قرار الإفراج عن عناصر من التيار الديني لمواجهة خصوم سياسيين وبين الأحداث التي انتهت باغتياله عام 1981.

ويعيد هذا الاستدعاء التاريخي طرح سؤال بشأن انعكاس هذه القراءة على تعامل السلطة الحالية مع ملف السجناء، خصوصًا المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين والمعارضين السياسيين.

وخلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة، التي أقيمت بعنوان «وطن الأبطال» بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر، قال السيسي إن أحد السياسيين نصح السادات بالإفراج عن عناصر من التيار الديني لمواجهة تيار سياسي آخر كان فاعلًا في مصر آنذاك، مضيفًا أن هذه الخطوة كانت من بين الأحداث التي أفضت في نهاية المطاف إلى اغتياله.

ولا يمثل هذا الطرح مجرد استعادة لواقعة تاريخية؛ إذ يضع قرار الإفراج عن عناصر إسلامية في سياق أمني ينتهي باغتيال رئيس الدولة.

ومن ثم، يفتح حديث السيسي الباب أمام قراءة مفادها أن تجربة السادات قد تُستخدم لتأكيد مخاوف السلطة من الإفراج عن خصوم تعتبرهم تهديدًا محتملًا لاستقرار النظام.

اغتيال السادات.. هل كان الإفراج عن الإسلاميين هو السبب؟

اغتيل السادات في 6 أكتوبر 1981 خلال العرض العسكري الذي أقيم بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر، على يد أفراد من تنظيم الجهاد الإسلامي المصري.

وجاء الاغتيال في سياق سياسي وأمني معقد، شهد تصاعد المواجهة بين السلطة وجماعات إسلامية، إلى جانب توترات سياسية انتهت بحملة اعتقالات واسعة في سبتمبر من العام نفسه.

لكن ربط الاغتيال بقرار الإفراج عن عناصر من التيار الديني يحتاج إلى قدر من التدقيق.

فقرار الإفراج، بصرف النظر عن دوافعه وتفاصيله، لا يفسر وحده مسار التطرف الذي انتهى باغتيال السادات، ولا يغني عن دراسة طبيعة التنظيمات المسلحة وأفكارها والظروف التي أحاطت بنشاطها.

ومع ذلك، فإن استدعاء السيسي لهذه الواقعة يسلط الضوء على الدرس الذي يريد استخلاصه منها: أن توظيف تيار سياسي أو ديني لمواجهة خصوم آخرين قد يفضي إلى نتائج لا تستطيع السلطة السيطرة عليها لاحقًا.

من تجربة السادات إلى ملف سجناء الإخوان والمعارضين

تكتسب تصريحات السيسي دلالة سياسية في ظل استمرار الجدل بشأن أوضاع السجناء في مصر، ومن بينهم أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين ومعارضون سياسيون وصحفيون ونشطاء.

فاستحضار تجربة السادات قد يعزز منطقًا أمنيًا يضع الإفراج عن المحبوسين المنتمين إلى تيارات إسلامية في إطار المخاطر المحتملة، بدلًا من التعامل مع كل حالة وفقًا لطبيعة الاتهام والأدلة والإجراءات القانونية.

لكن لا توجد في التصريحات المنقولة إشارة مباشرة إلى أن السيسي يتحدث عن قرار وشيك بشأن الإفراج عن سجناء الإخوان أو المعارضين، كما لا تثبت كلمته وحدها أن هذا هو السبب المحدد وراء سياسة الدولة في ملف السجناء.

إنما تتيح تصريحاته قراءة أوسع لطريقة استدعاء السلطة للتاريخ عند تناول قضايا الأمن والاستقرار.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين المتهمين أو المدانين في قضايا العنف والإرهاب، وبين المحبوسين على خلفية نشاط سياسي أو صحفي سلمي.

فالتعامل مع الفئتين باعتبارهما تهديدًا واحدًا، من دون فحص الأدلة والاتهامات في كل حالة. قد يحول الاعتبارات الأمنية إلى مبرر عام لاستمرار الاحتجاز.

السيسي يعيد ربط 1973 و2013

لم يقتصر حديث السيسي على اغتيال السادات، بل ربط أيضًا بين أحداث عامي 1973 و2013. مستعيدًا تجربة الإصلاح الاقتصادي التي بدأها السادات وما واجهته من احتجاجات بعد رفع أسعار بعض السلع عام 1977.

وقال السيسي إن المظاهرات دفعت الدولة آنذاك إلى التراجع عن استكمال بعض الإجراءات الاقتصادية. رغم المكانة التي تمتع بها السادات عقب انتصار أكتوبر.

وشدد على أن بناء الدولة عملية مستمرة تتطلب الوعي بالتحديات والظروف التي تمر بها البلاد.

ويجمع هذا الخطاب بين رسالتين: الأولى تحذر من تداعيات توظيف التيارات الدينية في الصراع السياسي. والثانية تحذر من التراجع أمام الاحتجاجات على السياسات الاقتصادية.

وفي الحالتين، يستحضر الرئيس تجربة تاريخية لتأكيد أهمية ما يراه ضرورة للحفاظ على الدولة واستقرارها.

غير أن المقارنة بين المرحلتين تظل بحاجة إلى مراعاة اختلاف الظروف السياسية والاقتصادية وطبيعة القوى الفاعلة في كل فترة. فالاحتجاج على ارتفاع الأسعار لا يعادل العنف السياسي، كما أن المعارضة السلمية لا تعني بالضرورة تهديد استقرار الدولة.

هل يتحول التاريخ إلى مبرر لاستمرار القيود؟

يعيد حديث السيسي عن اغتيال السادات طرح سؤال جوهري بشأن حدود الاستناد إلى التجارب التاريخية في رسم السياسات الحالية. هل تقود هذه التجارب إلى تطوير آليات تميّز بين من يخطط للعنف ومن يمارس حقه في المعارضة. أم تُستخدم لتوسيع دائرة الاشتباه وإبقاء الإفراج عن السجناء خاضعًا لتقديرات أمنية عامة؟

لا تقدم تصريحات السيسي إجابة مباشرة عن هذا السؤال. لكنها تكشف أهمية التجربة التي اختار استحضارها في خطابه عن الوعي الوطني وحماية الدولة.

وتبقى المسألة الأساسية هي ما إذا كانت الدروس المستخلصة من الماضي ستترجم إلى إجراءات قانونية محددة. تقوم على الأدلة والمحاسبة الفردية وضمانات المحاكمة العادلة. أم ستظل جزءًا من خطاب يحذر من المخاطر من دون أن يوضح معايير التعامل مع كل فئة من السجناء.

فاغتيال السادات يمثل واقعة تاريخية لا يمكن تجاهلها، لكنه لا يحسم وحده كيفية التعامل مع ملف السجناء اليوم. وبين استحضار الخطر الأمني وضمان الحقوق، يبقى التحدي هو ألا يتحول الخوف من تكرار الماضي إلى مبرر دائم لتقييد الحاضر.

اقرأ أيضا

على خطى السيسي.. وزير الداخلية يستحضر شماعة "الإخوان" في خطابه

Exit mobile version