أعاد استعراض تجربة البرازيل في التحول إلى الدعم النقدي، خلال جلسات منتدى مصر 2026، النقاش حول إمكانية استفادة مصر من هذا النموذج، بعدما أشار الباحث الاقتصادي والمصرفي الدكتور رائد سلامة إلى أن البرازيل تمكنت من سداد ديونها الخارجية وتكوين احتياطي نقدي ضخم بعد تطبيق برنامج للدعم النقدي ضمن حزمة إصلاحات اقتصادية شاملة.
لكن خبراء اقتصاد يرون أن التجربة البرازيلية لا يمكن اختزالها في التحول إلى الدعم النقدي فقط، مؤكدين أن نجاحها ارتبط بزيادة الإنتاج، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتحسين بيئة الاستثمار، وهو ما تحتاجه مصر إذا أرادت تحقيق نتائج مماثلة.
جودة عبد الخالق: الدعم النقدي وحده لا يصنع التنمية
يرى الدكتور جودة عبد الخالق، وزير التموين الأسبق وأستاذ الاقتصاد، أن التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي ليس هدفًا في حد ذاته، وإنما يجب أن يرتبط بقدرة الدولة على حماية القوة الشرائية للمواطنين، محذرًا في تصريحات إعلامية من أن الدعم النقدي يفقد قيمته سريعًا في ظل ارتفاع معدلات التضخم، وأن نجاح أي نظام للدعم يتوقف على استقرار الأسعار وتحقيق العدالة الاجتماعية.
ويؤكد عبد الخالق أن الأولوية يجب أن تكون لزيادة الإنتاج الحقيقي، لأن الاقتصاد لا يمكن أن يحقق نموًا مستدامًا عبر تغيير آلية توزيع الدعم فقط، بينما تستمر معدلات التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة.
وائل النحاس: الإنتاج قبل الدعم
ومن جانبه، يرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن تقليص الدعم أو التحول إلى الدعم النقدي يمثل أحد توجهات الدولة في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي، لكنه يؤكد أن نجاح هذه السياسة يتطلب بالتوازي زيادة الإنتاج المحلي وتوفير فرص العمل وتحسين دخول المواطنين، حتى لا تتحول برامج الدعم إلى مجرد وسيلة للتعامل مع آثار الأزمة الاقتصادية دون معالجة أسبابها.
ويشير النحاس إلى أن الاقتصاد لا يستطيع سداد ديونه عبر تغيير منظومة الدعم فقط، وإنما من خلال زيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات، وتحقيق معدلات نمو يقودها القطاع الخاص.
لماذا نجحت البرازيل؟
ويشير خبراء الاقتصاد إلى أن التجربة البرازيلية اعتمدت على مجموعة متكاملة من السياسات، شملت ضبط المالية العامة، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، وتحفيز الاستثمار والإنتاج، وزيادة الصادرات، وهو ما وفر للدولة موارد مكنتها من خفض الدين العام وتكوين احتياطيات نقدية كبيرة.
ويؤكدون أن الدعم النقدي كان جزءًا من هذه المنظومة، وليس العامل الوحيد الذي قاد إلى النتائج الاقتصادية التي حققتها البرازيل.
هل تستطيع مصر السير على النهج نفسه؟
ويرى اقتصاديون أن مصر تمتلك فرصة للاستفادة من بعض عناصر التجربة البرازيلية. لكن ذلك يتطلب التركيز على الاقتصاد الإنتاجي، وتشجيع القطاع الخاص، وتعزيز المنافسة. وزيادة مساهمة الصناعة والزراعة والتصدير في الناتج المحلي، بالتوازي مع وجود شبكة حماية اجتماعية فعالة.
كما يشددون على أن خفض أعباء الدين لن يتحقق بمجرد تغيير منظومة الدعم. وإنما عبر تحقيق نمو اقتصادي مستدام يرفع الإيرادات العامة ويقلل الاعتماد على الاقتراض.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنتاج
ويخلص خبراء الاقتصاد. إلى أن الدرس الأهم من التجربة البرازيلية يتمثل في أن الدعم النقدي كان أداة اجتماعية داخل برنامج إصلاح اقتصادي أوسع. بينما جاء التحول الحقيقي من توسيع قاعدة الإنتاج، وتعزيز دور القطاع الخاص، وزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد.
وبالتالي، فإن تكرار التجربة في مصر يظل مرهونًا بقدرة الاقتصاد على إنتاج قيمة مضافة حقيقية، وزيادة الصادرات والاستثمارات. بما يتيح للدولة خفض الدين تدريجيًا وتحقيق نمو مستدام، وليس الاكتفاء بتغيير شكل الدعم المقدم للمواطنين.
