اقتصاد

البحيرة بوابة التحول في منظومة التموين.. هل يصبح الدعم النقدي بديلًا لرغيف العيش؟

مع إعلان الحكومة بدء التطبيق التجريبي لمنظومة الدعم النقدي في محافظة البحيرة اعتبارًا من يناير 2027، تدخل منظومة الدعم في مرحلة جديدة قد تمثل بداية النهاية للدعم العيني الذي اعتمدت عليه الدولة لعقود طويلة لتوفير الخبز والسلع التموينية لملايين الأسر.

فالاجتماع الذي عقده رئيس الوزراء مصطفى مدبولي لمتابعة تنفيذ تكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسي الصادرة عن "منتدى مصر 2026"، لم يقتصر على بحث الاحتياطي الاستراتيجي للسلع، بل كشف لأول مرة عن موعد واضح لتطبيق تجربة الدعم النقدي، بما يعكس تسارع الحكومة نحو تغيير أحد أهم ملفات الحماية الاجتماعية في مصر.

وقال وزير التموين شريف فاروق إن محافظة البحيرة وقع عليها الاختيار لتكون أولى المحافظات التي تطبق النظام الجديد، موضحًا أن الوزارة تنتهي حاليًا من الاستعدادات اللازمة لإطلاق التجربة مطلع العام المقبل، بالتوازي مع استمرار التنسيق مع جهاز مستقبل مصر لضمان استمرار الاحتياطي الاستراتيجي للسلع لمدة لا تقل عن ستة أشهر.

هل تنتهي منظومة الدعم العيني؟

يرى مراقبون أن اختيار محافظة واحدة كتجربة أولى يمثل بداية عملية لتحويل منظومة الدعم بالكامل من تقديم السلع المدعومة إلى منح الأسر مبالغ مالية أو أرصدة إلكترونية تستطيع من خلالها شراء احتياجاتها بنفسها.

غير أن هذا التحول يثير تساؤلات واسعة، خاصة في ظل استمرار موجات التضخم وارتفاع أسعار الغذاء، إذ يخشى كثيرون أن تتحول قيمة الدعم النقدي إلى مبلغ ثابت يفقد قدرته الشرائية مع مرور الوقت، بينما كانت منظومة الدعم العيني توفر الحد الأدنى من السلع الأساسية بغض النظر عن تغير الأسعار.

ويحذر اقتصاديون من أن نجاح التجربة لن يقاس فقط بسهولة صرف الأموال، وإنما بقدرة الدعم على الحفاظ على القوة الشرائية للأسر الأولى بالرعاية، وإلا فإن المستفيد الحقيقي سيكون الموازنة العامة للدولة أكثر من المواطن محدود الدخل.

خبراء: نجاح الدعم النقدي مرهون بربطه بالتضخم

ورغم تأييد عدد من الخبراء لمبدأ التحول إلى الدعم النقدي، فإنهم اشترطوا ألا يكون مبلغًا ثابتًا.

وقالت الدكتورة يمن الحماقي، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، إن الدعم النقدي قد يكون أكثر كفاءة في توصيل الدعم لمستحقيه وتقليل الهدر. لكنه يحتاج إلى قاعدة بيانات دقيقة، مؤكدة أن المواطن يصبح أكثر قدرة على اختيار احتياجاته بنفسه.

في المقابل، شدد الدكتور محمد هلال، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، على أن تطبيق الدعم النقدي يجب أن يكون تدريجيًا. مع مراجعة قيمة الدعم بصورة دورية وفق معدلات التضخم وتحركات الأسعار حتى لا تتراجع القوة الشرائية للمستفيدين مع ارتفاع الأسعار.

كما أكد الدكتور أحمد عبد الحافظ، أستاذ الاقتصاد. أن نجاح المنظومة الجديدة يتوقف على أن تكون قيمة الدعم "متناسبة مع معدلات التضخم". محذرًا من أن تثبيت القيمة النقدية في ظل ارتفاع الأسعار سيؤدي إلى تآكل قيمتها الفعلية بمرور الوقت.

معارضون: المبلغ النقدي قد يذوب أمام الغلاء

في المقابل، يرى اقتصاديون ومعارضون لسياسات التحول أن المشكلة لا تكمن في شكل الدعم، وإنما في البيئة الاقتصادية التي سيطبق فيها.

ويقول الخبير الاقتصادي وائل النحاس، في تصريحات إعلامية إن الاتجاه نحو تقليص أعداد المستفيدين والتحول إلى الدعم النقدي يأتي في إطار إعادة هيكلة منظومة الدعم بعد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي. محذرًا من أن أي دعم نقدي ثابت سيتآكل سريعًا مع استمرار التضخم وارتفاع الأسعار إذا لم تتم زيادته بصورة منتظمة.

كما يرى منتقدون أن الانتقال إلى الدعم النقدي قد يوفر للحكومة قدرة أكبر على التحكم في حجم الإنفاق العام. لكنه يضع الأسر الفقيرة في مواجهة مباشرة مع الأسواق وتقلبات الأسعار، بعدما كانت تحصل على سلع مدعومة بسعر ثابت نسبيًا.

بين حماية الفقراء وضبط الإنفاق

وتؤكد الحكومة أن الهدف من التحول هو رفع كفاءة منظومة الدعم وضمان وصوله إلى مستحقيه، وتقليل الفاقد والتسرب. مع منح المواطن حرية اختيار السلع التي يحتاجها.

لكن الجدل الحقيقي لا يدور حول آلية صرف الدعم بقدر ما يتعلق بقيمته الفعلية بعد سنوات من التضخم المتواصل. إذ يخشى مراقبون من أن تتحول المبالغ النقدية إلى قيمة لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسر الفقيرة. إذا لم ترتبط تلقائيًا بمعدلات التضخم وارتفاع أسعار الغذاء.

اقرأ أيضا

خروج 2.2 مليون أسرة من "تكافل وكرامة"..هل تحسنت أوضاعها أم أُوقفت عنها المساعدات؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى