من الإرهاب إلى "الدهابة".. لماذا غيّرت الدولة بوصلتها الأمنية إلى منقبي الذهب؟
للمرة الأولى منذ سنوات، تبدو الحملات الأمنية والعسكرية الكبرى التي تنفذها الدولة المصرية بعيدة عن العنوان التقليدي المتمثل في "مكافحة الإرهاب"، لتنتقل إلى معركة جديدة عنوانها "التنقيب غير المشروع عن الذهب".
فإعلان القوات المسلحة استمرار حملة "درع الجنوب"، بعد ثلاث مراحل أسفرت عن مقتل ضابطين وضبط مئات الأشخاص وآلاف الطلقات والأسلحة، يطرح تساؤلات حول طبيعة التهديدات التي باتت تواجهها الدولة، وهل أصبحت شبكات التنقيب غير الشرعي تمثل أولوية أمنية تتقدم على ملف الإرهاب الذي ظل لسنوات المبرر الرئيسي للعمليات العسكرية واسعة النطاق؟
وبينما تؤكد الدولة أن الهدف هو حماية الثروات المعدنية وفرض سيادة القانون، يرى مراقبون أن تطور الظاهرة وتحولها إلى نشاط مسلح ومنظم يعكس أزمة اقتصادية واجتماعية دفعت آلاف المواطنين إلى البحث عن الذهب خارج الأطر القانونية.
من مكافحة الإرهاب إلى حماية الذهب
لسنوات طويلة، ارتبطت العمليات العسكرية الكبرى في مصر بمواجهة الجماعات المسلحة، خصوصًا في شمال سيناء، وكانت بيانات القوات المسلحة تركز على القضاء على البؤر الإرهابية.
لكن حملة "درع الجنوب" تعكس تحولًا لافتًا في طبيعة التهديدات التي تتعامل معها الدولة، إذ أصبحت المواجهات تدور مع مجموعات تعمل في التنقيب غير المشروع عن الذهب، بعضها يمتلك أسلحة ثقيلة ومعدات متطورة.
هذا التحول لا يعني بالضرورة اختفاء خطر الإرهاب، لكنه يعكس تغيرًا في أولويات الدولة الأمنية، مع تصاعد أهمية حماية الموارد الطبيعية، خاصة الذهب، الذي أصبح يمثل أحد الأصول الاقتصادية المهمة في ظل أزمة النقد الأجنبي.
لماذا أصبحت مناطق الذهب ساحة اشتباكات؟
تشير البيانات الرسمية إلى أن التنقيب العشوائي لم يعد نشاطًا فرديًا محدودًا. بل تحول في بعض المناطق إلى شبكات تضم ممولين ومهربين ومسلحين. ما أدى إلى ظهور صراعات على السيطرة على مواقع التعدين.
وتقول القوات المسلحة إن بعض هذه المجموعات استخدمت أسلحة آلية وقاذفات "آر بي جي". وهو ما أدى إلى سقوط قتلى من قوات حرس الحدود خلال المواجهات الأخيرة.
كما تعلن الدولة أن هذه الشبكات لا تقتصر على استخراج الذهب. بل ترتبط أيضًا بتهريب الأسلحة والمخدرات والهجرة غير النظامية عبر الحدود الجنوبية.
الأزمة الاقتصادية تدفع آلاف المصريين إلى الصحراء
ورغم الرواية الأمنية، فإن توسع ظاهرة "الدهابة" يرتبط أيضًا بالأوضاع الاقتصادية الصعبة.
فمع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع فرص العمل في العديد من المحافظات. أصبح التنقيب عن الذهب بالنسبة لآلاف الشباب مصدرًا بديلًا للدخل، رغم مخاطره القانونية والأمنية.
ويرى اقتصاديون أن استمرار توسع الاقتصاد غير الرسمي يعكس عجز الاقتصاد الرسمي عن توفير فرص عمل كافية. ما يدفع المواطنين إلى أنشطة عالية المخاطر، سواء في التعدين غير المرخص أو غيره من القطاعات غير المنظمة.



