أعادت إدانة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية لحكم محكمة الطفل ببنها، القاضي بسجن طفلين لمدة عشر سنوات بتهم تتعلق بـ«الإرهاب»، تسليط الضوء على إشكاليات عميقة في مسار العدالة، وحدود احترام حقوق الأطفال في القضايا ذات الطابع السياسي والأمني في مصر.
القضية، التي حملت رقم 4240 لسنة 2024، تتعلق بطفلين لم يتجاوزا 18 عامًا وقت القبض عليهما، ووجهت إليهما اتهامات خطيرة على خلفية نشاط رقمي، وصفته المبادرة بأنه «مزعوم» ولا يرقى قانونًا إلى مستوى الجرائم المنسوبة إليهما.
محاكمة الأطفال
بحسب بيان المبادرة، جرى نقل الطفلين من محل سكنهما إلى القاهرة الجديدة، وعرضهما على نيابة أمن الدولة العليا، بدلًا من نيابة الطفل المختصة قانونًا.
ويعد هذا الإجراء، وفقًا للمنظمة الحقوقية، حرم الطفلين من الضمانات التي يكفلها قانون الطفل المصري، والتي تقوم في جوهرها على مبدأ الحماية والرعاية لا العقاب المشدد.
وتُعد إحالة الأطفال إلى نيابة أمن الدولة، ثم محاكمتهم في قضايا ذات طابع استثنائي، أحد أبرز الانتقادات الحقوقية المتكررة خلال السنوات الأخيرة، باعتبارها تخلط بين منطق العدالة الجنائية ومنطق «الأمن القومي».
اتهامات فضفاضة
وجهت النيابة إلى أحد الطفلين تهمة تأسيس وتولي قيادة جماعة إرهابية، بينما اتُهم الآخر بالانضمام إلى الجماعة نفسها.
كما أضافت اتهامات مشتركة بتمويل جماعة إرهابية والاشتراك في اتفاق جنائي.
غير أن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أشارت إلى تناقض جوهري في هذه الاتهامات مع قانون مكافحة الإرهاب.
موضحة أنه يشترط لقيام «الجماعة الإرهابية» وجود ثلاثة أشخاص على الأقل، وهو ما لا ينطبق على حالة طفلين فقط.
نشاط رقمي يتحول إلى «إرهاب»
تثير القضية تساؤلات واسعة حول توسع السلطات في تجريم النشاط الرقمي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقُصّر.
فخلال السنوات الماضية، شهدت مصر تصاعدًا في القضايا المرتبطة باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي، حيث جرى توجيه اتهامات ثقيلة.
من بينها «نشر أخبار كاذبة» و«الانضمام لجماعات محظورة»، استنادًا إلى منشورات أو تفاعلات إلكترونية.
ويرى حقوقيون أن هذا التوسع يخلق الخوف، ويقوض الحق في التعبير، خصوصًا لدى فئات عمرية يفترض أن تحظى بحماية قانونية.
أوضاع حقوق الإنسان
تأتي هذه القضية في ظل انتقادات متواصلة لأوضاع حقوق الإنسان في مصر منذ عام 2013. وتتهم منظمات حقوقية محلية ودولية السلطات باستخدام الحبس الاحتياطي المطول، والمحاكمات الاستثنائية، وقوانين الإرهاب، كأدوات لتقييد المجال العام.
وعلى الرغم من إطلاق الدولة «الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان» في عام 2021، وإعادة تفعيل لجنة العفو الرئاسي.
أكدت منظمات حقوقية أن الممارسات على الأرض لا تزال تعكس فجوة كبيرة بين الخطاب الرسمي والواقع.
الأمن وحقوق الطفل
تطرح قضية الطفلين المحكوم عليهما بالسجن عشر سنوات سؤالا مهم وهو:
"كيف تُدار قضايا الأمن دون التضحية بالحقوق الأساسية، وخصوصًا حقوق الأطفال؟"
وبينما ترى الدولة أن قوانين مكافحة الإرهاب ضرورة لحماية الاستقرار، ترى المنظمات الحقوقية أن الزج بالأطفال في هذا المسار العقابي الصارم لا يهدد فقط مستقبلهم، بل يطرح تساؤلات قانونية وأخلاقية حول مفهوم العدالة ذاته، وحدود استخدام السلطة في مواجهة التعبير، حتى لو كان رقميًا.



