اقتصادمحلي

تراجع التضخم على الورق… لماذا لا يشعر المواطن بانخفاض الأسعار في مصر؟

ما إن أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تسجيل تراجع معدل التضخم السنوي في مصر إلى 10.3% خلال ديسمبر 2025، مقارنة بـ23.4% في الشهر نفسه من العام السابق، حتى سارعت الحكومة إلى تقديم هذه الأرقام باعتبارها دليلاً على نجاح سياساتها في كبح موجات الغلاء التي ضربت الأسواق لسنوات متتالية.

غير أن هذا الخطاب الرسمي سرعان ما قوبل بتشكيك واسع من اقتصاديين وخبراء، يرون أن التحسن المعلن لا ينعكس على الأسعار التي يدفعها المواطن يوميًا، ولا يخفف من أعباء المعيشة المتراكمة، في ظل ضعف القدرة الشرائية وتراجع الاستهلاك إلى مستويات غير مسبوقة.

تضخم أقل… لكن الأسعار لم تنخفض

تعتمد الحكومة في خطابها المتفائل على تراجع مؤشر أسعار المستهلكين، واستقرار سعر الصرف، وتوافر السلع في المخازن والموانئ.

إلا أن خبراء يشيرون إلى أن التضخم المنخفض لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار، بل قد يعني فقط تباطؤ وتيرة زيادتها مقارنة بفترات سابقة شهدت قفزات حادة.

وبعبارة أخرى، فإن الأسعار التي ارتفعت بقوة خلال الأعوام الماضية ما زالت مرتفعة، حتى وإن لم تعد ترتفع بالسرعة نفسها، وهو ما يجعل المواطن لا يشعر بأي تحسن حقيقي في مستوى معيشته.

سنة أساس مرتفعة… وانخفاض “حسابي”

يرى خبراء اقتصاد أن جزءًا كبيرًا من التراجع الحالي في التضخم يعود إلى ما يُعرف بـتأثير سنة الأساس، إذ تُقارن معدلات 2025 بعام 2024 الذي شهد مستويات تضخم قياسية تجاوزت 40%.

ويؤكد خبير التمويل والاستثمار وائل النحاس أن هذا التراجع «حسابي أكثر منه حقيقي»، موضحًا أن التضخم ما زال هيكليًا، ولم يصاحبه تحسن في الدخول أو القوة الشرائية، ما يجعل أثره على حياة المواطنين محدودًا للغاية.

ضعف الطلب لا زيادة الإنتاج

من جهة أخرى، يُرجع اقتصاديون انخفاض أسعار بعض السلع الغذائية – مثل اللحوم والدواجن والخضراوات – إلى تراجع الطلب وليس إلى تحسن في الإنتاج أو كفاءة الأسواق.

ويشير الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني إلى أن انخفاض الاستهلاك، نتيجة إنهاك دخول المواطنين، دفع بعض المنتجين إلى خفض الأسعار مؤقتًا أو تصريف مخزونهم قبل ارتفاع تكاليف التشغيل، مؤكدًا أن الأسعار عادت للارتفاع سريعًا مع أي زيادة موسمية في الطلب، كما حدث مطلع العام الجاري.

الخدمات خارج حسابات “التحسن”

ورغم الحديث عن انخفاض التضخم، فإن أسعار الخدمات الأساسية – مثل الكهرباء والغاز والنقل والتعليم والصحة – لم تشهد أي تراجع، بل استقرت عند مستويات مرتفعة تمثل عبئًا ثابتًا على ميزانيات الأسر.

ويؤكد خبراء أن هذه البنود تشكل جزءًا كبيرًا من إنفاق المواطنين، وبالتالي فإن تجاهلها في الخطاب الحكومي يجعل الحديث عن تحسن الأوضاع المعيشية منقوصًا وغير ملموس.

وفرة السلع لا تعني رخص الأسعار

وفي حين تتحدث بيانات رسمية عن توافر مخزون استراتيجي من السلع الأساسية يكفي لأشهر طويلة. يحذر مختصون في اللوجستيات وسلاسل الإمداد من المبالغة في هذه الأرقام.

وتشير الخبيرة نادية المرشدي إلى وجود تناقضات واضحة بين بيانات الجهات الرسمية المختلفة. فضلًا عن غياب قاعدة بيانات موحدة، مؤكدة أن وفرة السلع في المخازن أو الموانئ لا تضمن تلقائيًا انخفاض أسعارها للمستهلك. في ظل ارتفاع تكاليف النقل والتخزين وهوامش الربح وتعدد حلقات الوساطة.

السوق المصري… لا ينقل المكاسب العالمية

يسلط خبراء الضوء أيضًا على أن تراجع أسعار الغذاء عالميًا – وفق مؤشرات منظمة الفاو – ساهم جزئيًا في تهدئة الضغوط التضخمية. إلا أن هذه المكاسب لا تنتقل بالكامل إلى السوق المصرية.

ويرجع ذلك إلى الاعتماد الكبير على الاستيراد، وارتفاع تكاليف التشغيل، والأعباء الضريبية. وضعف المنافسة في بعض القطاعات، ما يجعل أي انخفاض عالمي محدود الأثر محليًا. بينما تنتقل الزيادات العالمية بسرعة إلى جيوب المستهلكين.

تحذيرات من عودة موجات الغلاء

وسط هذا المشهد، حذّر نقيب الفلاحين صدام أبو حسين من أن ارتفاع أسعار الأسمدة مؤخرًا ينذر بعودة التضخم الزراعي. مع نهاية الدورة الشتوية، مؤكدًا أن استقرار بعض أسعار الغذاء لا يعكس تحسنًا هيكليًا، بل تراجعًا مؤقتًا في الاستهلاك.

ودعا أبو حسين الحكومة إلى خفض تكاليف الإنتاج، وضبط حلقات التوزيع، وتقديم دعم حقيقي للأسر. محذرًا من أن أي تحسن رقمي لا يترجم إلى قدرة فعلية على الشراء سيظل بلا قيمة اجتماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى