اقتصادتقارير

خطة مدبولي لخفض الأسعار.. وعد حكومي يصطدم بعودة الحرب التي كانت "المبرر" للغلاء

تعهدات جديدة برئاسة الوزراء

أكد رئيس مجلس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، خلال مؤتمره الصحفي الأسبوعي على هامش اجتماع مجلس الوزراء، أن الحكومة تعمل على خفض أسعار السلع عبر تقليل الحلقات الوسيطة وزيادة وفرة الإنتاج، كاشفا أن الحكومة أعدت خطة تنفيذية متكاملة لتنفيذ توجيهات رئيس الجمهورية بشأن خفض الأسعار، وستُعرض على مجلس الوزراء خلال عشرة أيام.

كما أكد استمرار العمل بمنظومة الدعم التمويني، مشددا على أن باب التظلم يظل مفتوحا أمام أي مواطن يُحذف من بطاقات التموين.

مفارقة التوقيت: الوعد يعود مع عودة الحرب

يحمل توقيت هذه التصريحات دلالة خاصة يصعب تجاهلها؛ فالحكومة المصرية التي تتحدث اليوم عن خطة لخفض الأسعار، هي الحكومة ذاتها التي برّرت مرارا خلال الأشهر الماضية موجات الغلاء المتلاحقة بتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما صاحبها من ارتفاع أسعار الطاقة والشحن العالمي واضطراب سلاسل الإمداد.

واليوم، ومع تجدد المواجهة العسكرية في المنطقة وإعادة إغلاق مضيق هرمز وتصاعد الضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران، تعود الظروف الاقتصادية الضاغطة ذاتها التي كانت الحكومة تستشهد بها سابقا لتبرير الزيادات، في وقت تعد فيه بالاتجاه المعاكس تماما، أي خفض الأسعار.

هذا التناقض الظاهري بين الوعد والواقع الجيوسياسي المتجدد يطرح سؤالا جوهريا: هل تملك الحكومة فعلا أدوات لخفض الأسعار في ظل بيئة إقليمية مضطربة، أم أن الخطة المعلنة ستصطدم بالعوامل الخارجية ذاتها التي أعاقت أي تراجع حقيقي في الأسعار طوال الأشهر الماضية؟

خبراء: انخفاض الدولار وحده لا يكفي لخفض الأسعار

يرى عدد من الخبراء الاقتصاديين أن الحكومة تواجه تحديا حقيقيا في ترجمة أي تحسن بالمؤشرات الكلية إلى انخفاض ملموس في الأسعار يشعر به المواطن.

فقد أوضح ممثلون عن منظمات أعمال مصرية، في تصريحات لموقع "العربية Business"، أن الشركات المصرية تواجه صعوبة حقيقية في خفض أسعار سلعها إلى مستويات ما قبل الحرب الأمريكية الإيرانية، رغم تراجع سعر الدولار، ويرجع ذلك إلى استمرار ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على البضائع المستوردة، وهي تكاليف لا تتأثر بانخفاض سعر الصرف وحده.

كما اتفق محللو اقتصاد كلي على أن انخفاض الدولار وحده لا يكفي لخفض الأسعار، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على الواردات، فضلا عن اعتماد الشركات على مخزون سبق استيراده حين كانت تكلفة الاستيراد وسعر الصرف عند مستويات أعلى.

وائل النحاس: تجدد الصراع ينذر بـ"فترة أسوأ قادمة"

في هذا السياق، حذر الخبير الاقتصادي وائل النحاس، في تصريحات لصحيفة "الشرق الأوسط"، من أن الفترة الحالية التي تشهد مناوشات متجددة بين الولايات المتحدة وإيران يمكن اعتبارها "فترة تسويات" لتمرير النفط وتحجيم الارتفاعات الكبيرة في الغذاء وقطاعات أخرى، معتبرا أن ذلك ينذر بـ"فترة أسوأ قادمة حال تجدد الحرب" بشكل أوسع.

وأشار النحاس إلى أن تراجع معدلات النمو المتوقعة ليس مقتصرا على مصر وحدها، بل يشمل الاقتصاد العالمي بوجه عام في ظل آثار الحرب، وهو ما يعكس حجم التشابك بين الوضع الإقليمي والقدرة الفعلية للحكومة على ضبط الأسعار محليا.

جمال القليوبي: أي ارتفاع في أسعار النفط ينعكس حتما على السوق المحلية

من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي جمال القليوبي، في تصريحات لموقع "مصراوي"، أن أي ارتفاع كبير في أسعار النفط عالميا سينعكس حتما على السوق المحلية عبر زيادات جديدة في أسعار الوقود، مشيرا إلى أن محاولات الحكومة احتواء التداعيات عبر إجراءات مثل إعادة هيكلة دعم الكهرباء لا تعزل الاقتصاد المصري بالكامل عن التأثيرات الخارجية المرتبطة بتصاعد التوترات في المنطقة.

مصطفى بدرة: الضغوط التضخمية مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية

وأوضح الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة، في تصريحات سابقة لـ"المصري اليوم". أن الضغوط التضخمية التي شهدتها مصر خلال الأشهر الماضية تأثرت بتداعيات التوترات الجيوسياسية الإقليمية. وما تبعها من ارتفاع في أسعار الطاقة والمحروقات عالميا، وهو ما يعني أن أي تجدد لهذه التوترات. كما يجري حاليا، يعيد إنتاج الضغوط ذاتها على معدلات التضخم المحلية، بصرف النظر عن حجم الجهد الحكومي في ضبط الأسواق داخليا.

تحذير من "تحول هيكلي" في مسار التضخم

في السياق ذاته، أكد طارق متولي، نائب رئيس بنك بلوم مصر السابق، أن التضخم شهد تحولا هيكليا في مساره. متجاوزا التقديرات التي كانت تستهدف مستويات الـ10%، ليصل إلى نطاق يتراوح بين 16% و17%، وهو ما يمثل. بحسب وصفه، ضغطا إضافيا على قدرة السياسة النقدية والحكومية على تحقيق انخفاض حقيقي وسريع في الأسعار. طالما ظلت حالة عدم اليقين الإقليمي قائمة.

خطة الحكومة: تقليل الحلقات الوسيطة ومنافذ جديدة

في مواجهة هذه التحديات، تراهن الحكومة على آليات إدارية بحتة. من بينها تقليص حلقات الوسطاء بين المنتج والمستهلك عبر توسيع شبكة المنافذ والأسواق الدائمة. بالتنسيق مع جهاز مستقبل مصر ووزارتي التموين والزراعة. وتوحيد إدارة المنافذ المتنقلة التابعة للجهات المختلفة تحت منظومة تشغيل واحدة. إلى جانب تفعيل دور جهازي حماية المستهلك وحماية المنافسة في مواجهة الممارسات الاحتكارية.

وأكد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية الدكتور حسين عيسى. أن أكبر العوامل المؤثرة في أسعار السلع تتمثل في تكاليف النقل والشحن والحلقات الوسيطة. مشددا على ضرورة أن تتضمن الخطة التنفيذية آليات واضحة لمعالجة هذه التحديات.

غير أن هذه الإجراءات، وإن كانت قادرة نظريا على التأثير في هامش من هوامش التسعير الداخلي. تظل بحسب الخبراء عاجزة عن تحييد الأثر المباشر لعاملين خارجين عن سيطرة الحكومة المصرية بالكامل. تكلفة الطاقة والشحن العالميين، ومسار الحرب الإقليمية نفسها.

اقرأ أيضا

اعتقال على محمد زهران مؤسس "تيار استقلال المعلمين" عشية دعوته لاجتماع معلمي القاهرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى