وعود رسمية بالنهوض بالصناعة… وأسئلة معلّقة حول الواقع
أعلن الفريق كامل الوزير، نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية ووزير الصناعة والنقل، أن الحكومة تعمل حاليًا على تنفيذ خطة عاجلة للنهوض بالصناعة المصرية، منبثقة عن الاستراتيجية الوطنية للتنمية الصناعية 2025–2030، بهدف رفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي من 14% إلى 20%، ومضاعفة فرص العمل الصناعية من 3.5 ملايين إلى 7 ملايين فرصة.
وجاءت تصريحات الوزير خلال كلمته على هامش مؤتمر «أخبار اليوم الاقتصادي»، حيث أوضح أن الخطة تستند إلى سبعة محاور رئيسية، تشمل تعميق الصناعة المحلية، وإحلال الواردات، وإعادة تشغيل المصانع المتعثرة، وتحسين جودة المنتج، وتدريب العمالة، ومواكبة الاتجاهات الصناعية الحديثة.
كما أشار إلى التركيز على 28 صناعة واعدة، من بينها الصناعات النسيجية والغذائية والدوائية، تمتلك مصر – بحسب قوله – مقومات المنافسة فيها عالميًا.
صناعة تعاني رغم تكرار الخطط
ورغم تكرار الإعلان عن استراتيجيات صناعية على مدار السنوات الماضية، لا تزال مؤشرات الصناعة المصرية تعكس ضعفًا هيكليًا مزمنًا.
إذ يعتمد السوق المحلي بدرجة كبيرة على الاستيراد، ليس فقط للسلع التكنولوجية المعقدة، بل حتى للمدخلات البسيطة ومستلزمات الإنتاج الأساسية، ما يجعل أي حديث عن إحلال الواردات محل تساؤل عملي.
ويرى اقتصاديون أن أزمة الصناعة في مصر لا ترتبط بغياب الخطط، بل بغياب بيئة صناعية مستقرة، تشمل وضوح السياسات، واستقرار التشريعات، وتكلفة تمويل عادلة، وتكافؤ فرص حقيقي بين المنتج المحلي والمستورد، وهي عوامل لم تتحقق بصورة مستدامة حتى الآن.
أين القرار السيادي الصناعي؟
يثير حديث الوزير عن «توطين الصناعة» سؤالًا جوهريًا طالما طُرح في النقاش العام:
هل تملك مصر قرارًا سياديًا مستقلًا للنهوض بالصناعة؟
فالسياسات الاقتصادية خلال العقود الأخيرة اتجهت، وفق تقارير اقتصادية منشورة، إلى فتح الأسواق دون حماية مرحلية للصناعة المحلية، ما أدى إلى إغلاق آلاف المصانع الصغيرة والمتوسطة. وزيادة الاعتماد على الواردات، خصوصًا من الصين ودول شرق آسيا.
ويشير متخصصون إلى أن الصناعة لا تنهض بالتصريحات، بل بقرارات حاسمة قد تكون مكلفة سياسيًا في البداية. مثل فرض نسب تصنيع محلي إلزامية، أو تقييد استيراد السلع التي لها بديل محلي. أو توجيه الاستثمارات العامة نحو الإنتاج بدلًا من المشروعات الخدمية فقط.
مقارنة تاريخية: مصر واليابان… مساران مختلفان
تُعيد هذه النقاشات إلى الأذهان مقارنة تاريخية لافتة. ففي خمسينيات القرن الماضي، خرجت اليابان من حرب مدمّرة، وتعرضت لضربتين نوويتين، وكان اقتصادها شبه منهار. ومع ذلك، اتخذت الدولة اليابانية قرارًا استراتيجيًا واضحًا: الصناعة أولًا.
فرضت طوكيو آنذاك حماية صارمة على صناعاتها الوليدة، وربطت التعليم باحتياجات الإنتاج. وقيّدت الاستيراد لصالح التصنيع المحلي، واستثمرت بكثافة في البحث والتطوير.
أما في الحالة المصرية، فرغم امتلاك سوق ضخم وموارد بشرية هائلة. لم يُترجم ذلك إلى مشروع صناعي وطني طويل النفس، بل ظلت الصناعة رهينة تغيّر السياسات وتبدّل الأولويات.
بين التصريحات والاختبار الحقيقي
تضع تصريحات كامل الوزير الحكومة أمام اختبار حقيقي. لا سيما أن الرأي العام اعتاد سماع وعود مشابهة دون انعكاس ملموس على أرض الواقع.
فنجاح أي خطة صناعية مرهون بقدرتها على تقليل الاستيراد فعليًا، وتشغيل المصانع المتوقفة. وحماية المنتج المحلي من المنافسة غير العادلة، لا الاكتفاء بإعلانات استراتيجية.



