"وزراء الأمس نواب اليوم". برلمان التكامل أم إعادة إنتاج السلطة؟
عاد عدد من الوزراء السابقين إلى المشهد السياسي من بوابة مجلس النواب، ليس كأعضاء عاديين، بل في مواقع قيادية على رأس لجان نوعية مؤثرة، في خطوة تعكس بوضوح طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في المرحلة الراهنة، وتطرح تساؤلات جوهرية حول استقلال البرلمان ودوره الحقيقي.
خطاب واحد… ومفردات متشابهة
الملاحظ في تصريحات الوزراء السابقين، وعلى رأسهم سامح شكري، والسيد القصير، وأشرف الشيحي، هو التشديد المتكرر على مفاهيم “التكامل” و“التنسيق” و“عدم الصدام” مع الحكومة.
وهي مفردات، وإن بدت في ظاهرها مؤسسية، إلا أنها عمليًا تعكس تصورًا لدور البرلمان باعتباره امتدادًا للسلطة التنفيذية لا سلطة رقابية عليها.
فالانتقال من الوزارة إلى البرلمان لم يُقدَّم باعتباره فرصة لإعادة التوازن بين السلطات أو تصحيح السياسات، بل كـ«استمرار في خدمة الدولة من موقع آخر»، وهو توصيف يختزل البرلمان في وظيفة داعمة للنظام القائم، لا معبّرة عن الشارع أو مدافعة عن مصالح المواطنين.
رقابة مؤجلة وتشريع مضمون
تصريح السيد القصير بأن الحديث عن استدعاء الوزراء «سابق لأوانه» يكشف مبكرًا عن منهج عمل يميل إلى تأجيل الرقابة وتعليق المساءلة، وهو ما يتناقض مع الدور الدستوري الأصيل للبرلمان.
كما أن التأكيد على «الواقعية» و«حدود الإمكانات» غالبًا ما يُستخدم لتبرير تمرير سياسات حكومية دون مساءلة جادة.
وفي السياق ذاته، يطرح حديث أشرف الشيحي عن «عدم الهيمنة» و«تجنب الصدام» تصورًا للجنة التعليم باعتبارها شريكًا إداريًا للوزارة، لا جهة رقابية تملك حق المحاسبة والتعديل والرفض.
برلمان الخبراء أم برلمان الولاء؟
يرى الخبير البرلماني أكرم الألفي أن وجود الوزراء السابقين قد يمثل إضافة نوعية «نظريًا»، لكنه يربط نجاح التجربة بتفعيل أدوات الرقابة فعليًا.
غير أن المعطيات السياسية الحالية، وطبيعة تشكيل المجلس، وطريقة وصول هؤلاء الوزراء إليه (عبر التعيين أو القوائم المغلقة)، تشير إلى أن المساحة المتاحة للرقابة الجادة محدودة للغاية.
فالبرلمان، بتكوينه الحالي، يبدو أقرب إلى كونه غرفة تصديق على سياسات جاهزة. خاصة في ما يتعلق بالتشريعات الاقتصادية والسياسية التي تمس حياة المواطنين. من دون وجود معارضة حقيقية أو تمثيل فعلي للشارع.
انتخابات بلا شارع… ونتيجة تعيدنا للوراء
اللافت أن هذا المشهد لا يعكس حراكًا شعبيًا أو مطالب مجتمعية بعودة هؤلاء الوزراء. بل جاء نتيجة عملية انتخابية لا تعبّر عن المزاج العام، في ظل ضعف المشاركة، وغياب المنافسة. وهيمنة القوائم المدعومة من السلطة.
وبذلك، فإن عودة الوزراء السابقين في مواقع تشريعية حساسة لا تمثل تجديدًا للحياة النيابية. بقدر ما تعيد إنتاج نموذج قديم لبرلمان وظيفته الأساسية خدمة النظام السياسي، لا مساءلته. وهو ما يطرح سؤالًا مشروعًا:
هل نحن أمام تطوير مؤسسي، أم تراجع عن فكرة الفصل بين السلطات؟
خلاصة
التصريحات الصادرة عن رؤساء اللجان الجدد تكشف عن برلمان يسير منذ بدايته في اتجاه التوافق مع السلطة التنفيذية لا مراقبتها. وعن تشريع يُصاغ لخدمة الاستقرار السياسي للنظام، حتى لو جاء ذلك على حساب الدور التمثيلي والرقابي للمجلس.
والنتيجة، كما يرى كثيرون، برلمان لا يعبّر عن الشارع، ولا يحمل أدوات التغيير. بل يعيدنا خطوة إلى الوراء في مسار الحياة النيابية.



