محلي

القوة الناعمة في مصر.. بين التأثير التاريخي والخطاب الرسمي

لطالما شكّلت القوة الناعمة أحد أهم أدوات التأثير المصري في محيطه العربي، مستندة إلى تراكم تاريخي في مجالات الدراما والسينما والموسيقى والإعلام.

وفي هذا السياق، أكد طارق نور، رئيس مجلس إدارة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، أن شهر رمضان يمثل الذروة السنوية لتجلّي هذه القوة، باعتباره الموسم الذي تتصدّر فيه الدراما المصرية المشهد العربي، وتفرض حضورها الثقافي والوجداني.

ويرى نور أن الفنون المصرية لم تكن يومًا ترفًا، بل لعبت دورًا مباشرًا في التأثير على الوعي العام، بل وتغيير قوانين وتشريعات، مستشهدًا بأعمال سينمائية بارزة مثل «أريد حلًا» و*«جعلوني مجرمًا»*، التي تركت أثرًا تشريعيًا واجتماعيًا ملموسًا.

غير أن هذا الخطاب الاحتفائي يفتح الباب مجددًا أمام سؤال جوهري:
هل ما تزال الدراما المصرية تمارس هذا الدور النقدي والاجتماعي، أم تحوّلت إلى أداة توجيه سياسي وتغييب ناعم؟

مرآة المجتمع أم أداة إعادة تشكيله؟

يرى عدد من المتخصصين أن الدراما المصرية تاريخيًا كانت مساحة لطرح القضايا المسكوت عنها، من الفقر والطبقية إلى قضايا المرأة والعدالة الاجتماعية.

الناقد الفني طارق الشناوي:

“الدراما المصرية في ذروتها كانت ضمير المجتمع، لكنها اليوم واقعة تحت ضغط الإنتاج الموجّه، ما يقلل من قدرتها على طرح الأسئلة الحقيقية”.

وأضاف الشناوي أن المشكلة لا تكمن في وجود رؤية سياسية. بل في احتكار هذه الرؤية ومنع أي زوايا أخرى من الظهور. معتبرًا أن “الفن يفقد روحه عندما يتحول إلى خطاب أحادي”.

بين المعالجة والتوجيه

من جانبه، أشار السيناريست مدحت العدل، إلى أن الدراما لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والاقتصادي، قائلًا:

“الدولة من حقها أن تدعم فنًا يعبر عنها، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح الدعم مشروطًا بتقييد الخيال أو فرض سردية واحدة”.

في المقابل، يرى بعض النقاد أن توسع نفوذ المؤسسات الإنتاجية المرتبطة بالدولة، خاصة في موسم رمضان. أسهم في تضييق هامش التنوع، وتحويل الدراما في بعض الأحيان إلى أداة تطبيع مع الواقع بدلًا من مساءلته.

الناقدة الفنية ماجدة خير الله:

“كثير من المسلسلات لم تعد تناقش أسباب الأزمات، بل تكتفي بتقديمها كقدر محتوم، وهو شكل من أشكال التغييب غير المباشر”.

القوة الناعمة في العصر الرقمي

يتقاطع هذا الجدل مع ما أشار إليه طارق نور حول “هندسة المشاعر” في عصر الإعلام الرقمي. حيث لم يعد التأثير قائمًا على الصوت الأعلى، بل على القدرة على إعادة تشكيل السردية عبر المونتاج والاختزال والانتقاء.

ويرى د. أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، في تصريحات إعلامية سابقة، أن:

“القوة الناعمة الحقيقية لا تُقاس بعدد المشاهدات، بل بمدى قدرتها على فتح نقاش عام، لا إغلاقه”.

زر الذهاب إلى الأعلى