اقتصادتقارير

في مصر: تُباع الشقق بالملايين ويعجز أغلب الشعب عن شراء المدافن؟

مصر: تصريحات هشام طلعت مصطفى، رئيس مجلس إدارة مجموعة طلعت مصطفى القابضة، حول تحقيق 13 مليار جنيه مبيعات خلال شهر واحد فقط، إلى جانب إعلان إعمار مصر بيع مرحلة كاملة من مشروع “ميفيدا جاردنز” خلال 24 ساعة، تعكس بوضوح أن السوق العقاري لا سيما الفاخر يعيش حالة ازدهار غير مسبوقة.

لكن، وبينما ترتفع الأرقام على شاشات المؤتمرات والبرامج التلفزيونية، تتراجع القدرة الشرائية لغالبية المواطنين، مع ارتفاع التضخم وتآكل الدخول وغلاء السكن حتى في أطراف المدن.

من يشتري؟ سؤال الطبقات الغائبة

يرى خبراء أن الطلب الحقيقي على هذه الوحدات لا يأتي من الطبقة الوسطى التقليدية، بل من شرائح محددة للغاية.

يقول هاني توفيق، الخبير الاقتصادي ورئيس شركة أموال العربية، في تصريحات إعلامية سابقة:

“السوق العقاري في مصر لم يعد معبرًا عن الطلب السكني، بل عن الطلب الادخاري… العقار أصبح مخزن قيمة لفئات تملك فوائض مالية ضخمة، في ظل غياب بدائل استثمارية آمنة.”

وبالتالي، فإن العقار لم يعد يُشترى للسكن، بل للتحوط من التضخم أو لإعادة البيع، وهو ما يفسر استمرار الطلب رغم الأسعار “الخيالية”.

أين الطبقة الوسطى؟

من ناحية أخرى، يؤكد د. محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب السابق، أن:

“ما يحدث هو انفصال كامل بين سوق العقارات ودخل المواطن… الأسعار لا تُبنى على متوسط الأجور، بل على قدرة فئة محدودة جدًا على الشراء النقدي أو بالتقسيط طويل الأجل.”

ويضيف أن هذا الوضع يعني تآكلًا فعليًا للطبقة الوسطى، التي لم تعد قادرة لا على الشراء ولا حتى على الإيجار في كثير من المناطق.

فجوة اجتماعية تتسع

من زاوية علم الاجتماع، ترى د. سحر الجعارة، أستاذة علم الاجتماع السياسي، أن هذه الظاهرة تعكس اختلالًا بنيويًا خطيرًا:

“نحن أمام مجتمع منقسم اقتصاديًا بشكل حاد… فئة صغيرة تعيش في عالم استهلاكي مغلق، بينما الأغلبية تكافح للبقاء. هذا الوضع لا يمكن أن يكون مستقرًا على المدى الطويل.”

وتضيف أن تحويل السكن من حق اجتماعي إلى سلعة استثمارية يعمّق الإقصاء الاجتماعي، ويخلق شعورًا عامًا بالظلم وفقدان العدالة.

لماذا ترتفع الأسعار بهذا الجنون؟

بحسب خبراء، فإن الأسباب متداخلة، لكن أبرزها:

  • تسعير الوحدات بالدولار ضمنيًا رغم البيع بالجنيه.
  • ارتفاع أسعار الأراضي والمرافق.
  • اعتماد الشركات على شريحة “الملاءة العالية” فقط.
  • غياب تدخل الدولة لضبط السوق أو فرض سياسات إسكان عادلة.

ويؤكد د. وائل النحاس، الخبير الاقتصادي:

“الدولة انسحبت تدريجيًا من دورها التنظيمي، وتركت السوق لقوى العرض والطلب غير المتكافئة، فكانت النتيجة أسعارًا لا علاقة لها بقدرة المجتمع.”

هل يستقيم هذا الوضع؟

السؤال الجوهري الذي يطرحه مراقبون:

هل يمكن لمجتمع أن يستقر، بينما تُباع شقق بعشرات الملايين، في وقت يعجز فيه ملايين عن شراء مدفن؟

يجيب د. أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع:

“الاستقرار الاجتماعي لا يقاس بنجاح قطاع واحد، بل بقدرة الأغلبية على العيش بكرامة. حين تتحول الفجوة الطبقية إلى نمط دائم، يصبح الانفجار مسألة وقت.”

زر الذهاب إلى الأعلى