مع انطلاق الفصل الدراسي الثاني لعام 2026 في عدد من المحافظات، تبدأ رحلة جديدة لملايين الطلاب داخل المدارس الحكومية، وسط تأكيدات رسمية من وزارة التربية والتعليم على الانضباط، وجاهزية المدارس، وتوفير بيئة تعليمية آمنة وجاذبة.
إلا أن هذا المشهد، الذي يتكرر مع كل فصل دراسي، يعيد طرح سؤال جوهري لا يزال بلا إجابة حاسمة: هل تتطور العملية التعليمية في مصر فعلًا، أم أننا أمام انتظام شكلي يغطّي على أزمة ممتدة؟
انتظام المدارس… نجاح إداري أم إعادة إنتاج للواقع؟
لا خلاف على أن الوزارة نجحت، إداريًا، في تنظيم بدء الدراسة، واستكمال أعمال الصيانة، وضمان جاهزية الفصول. لكن خبراء تعليم يرون أن التركيز المستمر على الشكل والانضباط دون مساس جوهري بالمحتوى جعل المدرسة مساحة لتلقي المناهج لا لبناء العقل النقدي أو المهارات الحديثة.
الدكتور أحمد عبد الحميد، أستاذ سياسات التعليم بجامعة بني سويف، قال في تصريحات سابقة منشورة بصحف مصرية، إن التعليم في مصر ما زال يدور في حلقة مفرغة، حيث تتغير المسميات والأنظمة، بينما يظل جوهر المنهج قائمًا على الحفظ والتلقين، بعيدًا عن التفكير التحليلي أو ربط التعليم بسوق العمل.
مناهج تتغير شكليًا… وثقافة تعليمية ثابتة
رغم الإعلان المتكرر عن تطوير المناهج، يرى متخصصون أن ما يحدث هو تعديل جزئي في المحتوى دون تغيير فلسفة التعليم نفسها.
الدكتورة سمر الدسوقي، الباحثة في شؤون التعليم بجامعة حلوان، أشارت في حوارات إعلامية سابقة إلى أن المناهج الجديدة لا تزال محمّلة بالمعلومات، بينما يتم تجاهل المهارات الأساسية مثل حل المشكلات، والعمل الجماعي، والتعلم الذاتي، مؤكدة أن الطالب المصري “يدخل المدرسة ليجتاز الامتحان، لا ليبني معرفة حقيقية”.
وتضيف أن استمرار هذا النهج عبر سنوات طويلة خلق فجوة بين التعليم وواقع الحياة. وهو ما يفسر اعتماد الأسر المتزايد على الدروس الخصوصية باعتبارها المسار الحقيقي لفهم المنهج وليس المدرسة.
ملايين الطلاب… ونظام واحد للجميع
يستقبل الترم الثاني ما يقرب من 20 مليون طالب، في منظومة تعليمية شبه موحدة. لا تراعي الفروق الفردية ولا التنوع الجغرافي والاجتماعي.
ويرى الخبير التربوي محمد عبد اللطيف رضوان، في مقالات تحليلية منشورة. أن أخطر ما يواجه التعليم في مصر هو التعامل مع الطالب باعتباره رقمًا داخل منظومة ضخمة، لا مشروع إنسان قابل للتطوير. محذرًا من أن استمرار هذا الأسلوب ينتج أجيالًا تحفظ كثيرًا وتفهم قليلًا.
التعليم بين الشعارات والواقع
تتحدث وزارة التعليم عن “بيئة جاذبة” و“أنشطة متكاملة”، لكن على أرض الواقع، تعاني مدارس كثيرة من كثافات مرتفعة. ونقص في المعلمين المؤهلين، وضعف الإمكانات، خاصة في محافظات الصعيد والمناطق الأكثر احتياجًا.
وفي هذا السياق، ترى الدكتورة منى فؤاد، المتخصصة في علم الاجتماع التربوي. أن أي حديث عن تطوير التعليم يجب أن يبدأ من المعلم نفسه. سواء عبر تحسين أوضاعه الاقتصادية أو إعادة تأهيله تربويًا. مؤكدة أن “منهجًا جيدًا في يد معلم غير مدعوم لن يحقق أي نهضة تعليمية حقيقية”.



