مجلس السلام لغزة... بوابة لإنهاء الحرب أم مظلة سياسية لإدارتها؟
في لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها الحسابات الإقليمية والدولية، ينعقد الاجتماع الأول لما يُعرف بـ«مجلس السلام» برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لبحث مستقبل قطاع غزة، بينما لا تزال نيران المواجهات مشتعلة، وتبقى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار عالقة دون حسم.
الاجتماع يأتي وسط أسئلة كبرى تتجاوز بنوده المعلنة، لتطرح تساؤلاً أكثر عمقاً: هل يمثل هذا المجلس فرصة حقيقية لإنهاء معاناة سكان غزة، أم أنه إطار سياسي جديد لإعادة تشكيل المشهد بعيداً عن توصيف ما يجري باعتباره إبادة جماعية؟
مشهد معلق بين الحرب والهدنة
يتزامن انعقاد المجلس مع استمرار الضربات الإسرائيلية داخل القطاع، وتعثر التوافق حول قضايا جوهرية، أبرزها نزع سلاح حركة «حماس»، وآلية انسحاب القوات الإسرائيلية، وشكل الإدارة المدنية والأمنية المقبلة لغزة. كما يبرز ملف إعادة الإعمار باعتباره عنواناً إنسانياً وسياسياً في آنٍ واحد، نظراً لحجم الدمار غير المسبوق الذي لحق بالبنية التحتية والمنازل والمرافق الحيوية.
وبينما تتحدث تسريبات إسرائيلية عن احتمال إعلان خطوات تتعلق بنشر قوة دولية وبدء مسار نزع السلاح، تبقى تلك الطروحات رهينة تفاهمات معقدة تتداخل فيها المصالح الأميركية والإسرائيلية والعربية.
ملفات ثقيلة على الطاولة
المجلس، وفق تصريحات نقلتها شبكة «سي إن إن» عن ممثلين عنه، سيبحث مسارات عدة تشمل تمكين لجنة إدارة القطاع من العمل ميدانياً، وضمان تثبيت وقف إطلاق النار، وتسريع إدخال المساعدات الإنسانية. كما يتضمن النقاش ترتيبات أمنية طويلة المدى، بينها نشر قوات استقرار متعددة الجنسيات، ودمج غزة إدارياً مع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.
غير أن هذه البنود تثير تحفظات متعددة، سواء من جانب الفصائل الفلسطينية، أو من أطراف إقليمية ترى أن أي ترتيبات أمنية لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الأوسع، ولا عن مسؤولية إسرائيل عن الدمار والخسائر البشرية.
مشاركة دولية وحسابات متباينة
تباينت مواقف الدول إزاء مستوى المشاركة في الاجتماع. فقد أعلنت القاهرة مشاركة رئيس الوزراء نيابة عن الرئيس المصري. تأكيداً لدورها التقليدي في إدارة ملفات التهدئة والوساطة، بينما تمثل إسرائيل بوزير خارجيتها.
في المقابل، أشارت المكسيك إلى مشاركة محدودة في ظل غياب تمثيل فلسطيني كامل. في حين أبدت دول أخرى استعدادها للمساهمة في قوة استقرار محتملة.
هذا التباين يعكس إشكالية جوهرية:
هل المجلس منصة جامعة تعكس توافقاً دولياً حقيقياً، أم أنه إطار تقوده واشنطن لتسويق مقاربة محددة للحل؟
بين إعادة الإعمار والمساءلة
يرى مراقبون أن التركيز على إعادة الإعمار ونشر قوات دولية. قد يُنظر إليه بوصفه محاولة للانتقال سريعاً من مشهد الحرب إلى مرحلة «الإدارة». دون حسم الجدل القانوني والسياسي حول طبيعة ما جرى في غزة.
وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية:
هل يمكن تحقيق سلام مستدام دون معالجة جذور الصراع، وضمان حماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات؟
فرصة حقيقية أم إعادة تدوير للأزمة؟
قد يشكل «مجلس السلام» فرصة إذا نجح في تثبيت وقف إطلاق النار. وفتح مسار سياسي جاد يقود إلى تسوية شاملة تضمن الحقوق الفلسطينية، وتضع ترتيبات أمنية متوازنة.
لكن في المقابل، قد يتحول إلى آلية لإدارة الأزمة لا حلّها. خاصة إذا اقتصر دوره على إعادة هندسة المشهد الأمني دون معالجة جوهر الصراع.
وبين هذين الخيارين، ينتظر سكان القطاع ما إذا كان «مجلس السلام» سيحمل لهم بداية نهاية المأساة. أم مجرد عنوان جديد لفصل آخر من الصراع.



