مونوريل القاهرة بين الوعود والتأجيلات.. كلفة التأخير وتمصير التشغيل
رغم التوقعات التي سادت نهاية العام الماضي بافتتاح خط مونوريل شرق النيل مطلع يناير 2026، مرّت الأسابيع دون تشغيل فعلي، ليتجدد الحديث عن أسباب التعثر وكلفة السنوات الضائعة.
المشروع الذي يُفترض أن يربط العاصمة الإدارية الجديدة بمدينة نصر، على أن يمتد خطه الثاني إلى مدينة السادس من أكتوبر، ما زال في مرحلة اللمسات الأخيرة، مع وعود ببدء التشغيل التجاري قبل نهاية الربع الأول من العام الجاري.
مشروع استراتيجي بطموحات كبيرة
يمتد المونوريل لمسافة تقارب 100 كيلومتر، مستهدفًا ربط المدن الجديدة بشرق وغرب القاهرة عبر وسيلة نقل كهربائية حديثة. وقد أُسند تنفيذ المشروع في 2019 إلى تحالف تقوده شركة بومباردييه، بمشاركة أوراسكوم للإنشاءات و**المقاولون العرب**.
لكن الجدول الزمني الأصلي، الذي كان يستهدف إنجاز الخط الأول خلال ثلاث سنوات، لم يصمد أمام التحديات المتلاحقة. فالتشغيل التجريبي لم يبدأ إلا في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أي بعد نحو خمسة أعوام من الترسية.
عقبات مالية وجائحة عالمية
تعود أولى العراقيل إلى تأخر توفير الدفعة المقدمة من الحكومة عقب توقيع التعاقد، إذ لم تتضمن موازنة 2019-2020 المخصصات اللازمة، ما أدى إلى ترحيل التمويل إلى العام التالي.
ثم جاءت جائحة كورونا في 2020 لتضيف عبئًا جديدًا، مع تعطل سلاسل الإمداد العالمية وصعوبة استيراد المعدات، إلى جانب تقليص أعداد العمالة في مواقع التنفيذ.
ورغم تجاوز أزمة الجائحة، واجه المشروع تحديًا أكثر تعقيدًا تمثل في نقص العملة الأجنبية مع تصاعد أزمة الدولار منذ 2022، ما صعّب استيراد مستلزمات أساسية وأدى إلى ارتفاع تكاليف التنفيذ بعد تعويم الجنيه.
وبحسب مصادر مطلعة، أدت فروق العملة والتضخم إلى فجوة بين قيمة التعاقدات الأصلية وتكلفة التنفيذ الفعلية، ما استلزم إعادة تقييم المستحقات وصرف تعويضات للمقاولين، غير أن محدودية الاعتمادات المالية أخّرت بعض الأعمال.
تحسن نسبي طرأ في 2024 عقب توافر سيولة دولارية بعد اتفاقات استثمارية كبرى، مع تعديل آلية صرف مستحقات المقاولين لتكون كل 45 يومًا بدلًا من ثلاثة أشهر، وهو ما ساهم في تسريع وتيرة التنفيذ.
ورغم ذلك، تُقدَّر خسائر التأخير بنحو 45 مليار جنيه، تمثل قرابة 18% من التكلفة الأصلية البالغة 4.5 مليار يورو.
تمصير التشغيل.. خفض كلفة واكتساب خبرة
في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلنت الشركة المصرية لإدارة وتشغيل مترو الأنفاق توليها تشغيل المونوريل بالشراكة مع شركة ألستوم الفرنسية، بدلًا من الاعتماد الكامل على إدارة أجنبية كما كان مخططًا سابقًا.
ووفق مصادر رسمية، يهدف هذا التوجه إلى تقليل تكلفة التشغيل والصيانة بنسبة قد تصل إلى 25%، إلى جانب نقل الخبرات الفنية تدريجيًا للكوادر المصرية. وتبلغ قيمة التعاقد نحو 1.5 مليار يورو لمدة 15 عامًا.
ومن المقرر أن تشكل العمالة المصرية نحو 90% من إجمالي القوى العاملة عند بدء التشغيل. مع خطة لتقليص نسبة الخبراء الأجانب إلى 5% خلال عامين، في إطار توطين التكنولوجيا.
جدل حول الجدوى
ورغم دفاع المسؤولين عن المشروع باعتباره نقلة نوعية في منظومة النقل الحضري. يرى بعض الخبراء أن تكلفته الضخمة قد تحد من تأثيره الفعلي على أزمة المواصلات.
الخبير العمراني عمرو عصام أشار في تصريحات إعلامية. إلى أن المشروعات الكبرى مثل المونوريل قد تخدم شريحة محدودة مقارنة بوسائل النقل الجماعي التقليدية. خاصة إذا جاء سعر التذكرة مرتفعًا بما يعكس كلفة التنفيذ والتشغيل. ما قد يدفع كثيرين إلى تفضيل وسائل بديلة أقل تكلفة.
العد التنازلي
في ظل اكتمال الجوانب الإنشائية بنسبة كبيرة، تتركز الأنظار حاليًا على جاهزية التشغيل التجاري. وسط تأكيدات رسمية بقرب افتتاح الخط الأول.
غير أن تجربة السنوات الماضية تجعل كثيرين يترقبون التنفيذ الفعلي على الأرض. لا سيما مع ما تكبده المشروع من كلفة مالية إضافية وتأثيرات اقتصادية.



