إجراءات الحكومة التقشفية التي مهّدت لاعتماد قرض صندوق النقد الجديد
بعد أن اعتمد صندوق النقد الدولي المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج مصر الاقتصادي، وأتاح تمويلًا جديدًا بقيمة 2.3 مليار دولار، برزت تساؤلات واسعة حول طبيعة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة خلال الفترة الماضية.
وفي هذا السياق، تؤكد الحكومة أن تلك الخطوات كانت ضرورية لتحقيق الاستقرار المالي. في المقابل، يرى منتقدون أن كلفتها الاجتماعية كانت مرتفعة.
أولًا: تحرير سعر الصرف
بدايةً، سمحت الحكومة بمرونة أكبر في سعر صرف الجنيه، ما أدى إلى انخفاض قيمته أمام العملات الأجنبية. وبالتالي، ارتفعت أسعار السلع المستوردة وزادت الضغوط التضخمية. ومع ذلك، اعتبر الصندوق هذه الخطوة ضرورية للقضاء على السوق الموازية وجذب تدفقات استثمارية.
ثانيًا: خفض دعم الطاقة
إلى جانب ذلك، واصلت الحكومة تقليص دعم الوقود والكهرباء تدريجيًا. نتيجة لذلك، شهدت أسعار الطاقة زيادات متتالية انعكست على تكلفة النقل والإنتاج. في المقابل، تقول الحكومة إن إعادة هيكلة الدعم تساهم في تقليل عجز الموازنة وتوجيه الموارد للفئات الأكثر احتياجًا.
ثالثًا: تشديد السياسة النقدية
ومن ناحية أخرى، رفع البنك المركزي أسعار الفائدة عدة مرات لمواجهة التضخم. وبهذا الإجراء، تم كبح الطلب المحلي نسبيًا، ما ساهم في تراجع معدل التضخم إلى 11.9% في يناير 2026. لكن في الوقت نفسه، ارتفعت تكلفة الاقتراض على الأفراد والشركات، ما أثر على النشاط الاقتصادي.
رابعًا: توسيع القاعدة الضريبية
علاوة على ما سبق، أقرت الحكومة تعديلات لتعزيز الإيرادات الضريبية، من خلال تحسين التحصيل الإلكتروني وتشديد الرقابة على التهرب الضريبي. وبالتالي، ارتفعت موارد الدولة دون اللجوء إلى زيادة مباشرة في معدلات الضرائب الأساسية، وفق الرؤية الرسمية.
خامسًا: ترشيد الإنفاق وتأجيل مشروعات
كذلك، اتجهت الحكومة إلى ترشيد الإنفاق العام وتأجيل بعض المشروعات غير العاجلة. ومن ثم، سعت إلى تخفيف الضغط على العملة الأجنبية وتقليل العجز. غير أن هذا التوجه أثار مخاوف بشأن تأثيره على معدلات التشغيل والنمو في بعض القطاعات.
سادسًا: برنامج الطروحات الحكومية
في الإطار ذاته، أطلقت الدولة برنامجًا لطرح حصص في شركات مملوكة لها أمام القطاع الخاص. ووفقًا للصندوق، فإن تعزيز دور القطاع الخاص عنصر أساسي لضمان استدامة النمو. أما داخليًا، فتباينت الآراء بين من يرى في ذلك جذبًا للاستثمار، ومن يعتبره بيعًا لأصول استراتيجية.
لماذا ربط الصندوق التمويل بهذه الخطوات؟
بحسب بيان الصندوق، فإن استمرار التمويل مشروط بتنفيذ إصلاحات هيكلية تضمن استدامة الدين وتعزيز مرونة الاقتصاد. وبالتالي، فإن كل شريحة تمويل جديدة ترتبط بتقييم دوري لمدى الالتزام بالإجراءات المتفق عليها.
بين المؤشرات الكلية والواقع المعيشي
في المحصلة، تشير الأرقام إلى تحسن في النمو وتراجع في التضخم. إلا أن شريحة واسعة من المواطنين ما تزال تعاني من ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية. ومن هنا، يظل السؤال مطروحًا:
هل ستنعكس هذه الإصلاحات قريبًا على مستوى المعيشة؟ أم أن آثارها الإيجابية ستظل محصورة في المؤشرات الكلية لبعض الوقت؟



