مليارات تهرب من مصر.. "الأموال الساخنة" تترك الجنيه فريسة لتوترات إيران وأمريكا
صافي بيع بمئات الملايين
سجلت تعاملات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي المصري صافي بيع بقيمة 475.3 مليون دولار، بحسب بيانات البورصة المصرية، في مؤشر جديد على تصاعد وتيرة خروج ما يُعرف بـ"الأموال الساخنة" من السوق المصرية.
توقيت حساس: تجدد التوترات الجيوسياسية
تأتي هذه التخارجات وسط تجدد التوترات الجيوسياسية الإقليمية، في ظل استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالمواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران. وقد أدى هذا الخروج السريع لرؤوس الأموال إلى زيادة الضغط على سوق الصرف المصري، ليتراوح سعر الدولار في البنوك بين 51 و52.5 جنيه.
صافي تدفق ضخم للخارج خلال الربع الأول
تعكس هذه الأرقام استمرار نمط سبق رصده خلال الأشهر الماضية؛ إذ سجلت الاستثمارات الأجنبية في محفظة الأوراق المالية خلال الربع الأول من العام الجاري صافي تدفق إلى خارج مصر بلغ نحو 9.5 مليارات دولار، بالتزامن مع اندلاع الصراع في منطقة الشرق الأوسط.
ووفق تقرير ميزان المدفوعات الصادر عن البنك المركزي المصري، سجلت الاستثمارات الأجنبية في محفظة الأوراق المالية (الاستثمار الأجنبي غير المباشر) خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2025/2026 صافي تدفق للخارج بنحو 4.4 مليار دولار، في مقابل صافي تدفق للداخل قدره 2.1 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق، في انعكاس واضح لتغير مزاج المستثمرين الأجانب تجاه السوق المصرية.
خبراء: "تخفيف أوزان" لا هروب كامل.. لكن الخطر قائم
يرى محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، في تصريحات لشبكة "CNN بالعربية"، أن صافي البيع الأخير من قبل الأجانب "يعكس تخفيف أوزان استثمارية من قبل المؤسسات الأجنبية الكبرى، وليس تخارجا كاملا من السوق"، موضحا أن هذه الخطوة "جزء من إدارة المخاطر التي تقوم بها المؤسسات الكبرى، حيث تعيد توزيع نسب استثماراتها في الأسواق الناشئة بما فيها مصر عند ارتفاع التوترات الجيوسياسية في المنطقة، لاسيما بين الولايات المتحدة وإيران".
كما أوضح نجلة، في تصريحات لموقع "مصراوي"، أن السوق شهدت خروج نحو 1.5 مليار دولار خلال يومين فقط في وقت سابق مع تصاعد المواجهة العسكرية، مؤكدا أن عودة التوترات والحرب بين الولايات المتحدة وإيران تدفع إلى تخارج جزئي للأموال الساخنة من السوق المصرية.
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي طارق متولي، نائب رئيس بنك بلوم مصر السابق، في تصريحات لـ"CNN بالعربية"، أن جزءا كبيرا من الأموال الساخنة موجود خارج الاحتياطي النقدي للبنك المركزي، وهو ما يعكس، بحسب تعبيره، "إدارة فعالة للاحتياطيات مقارنة بالفترات السابقة، مما يعزز قدرة الدولة على امتصاص الصدمات السوقية دون تأثير مباشر على سعر الصرف"، وإن كان هذا لا ينفي تأثر سعر الجنيه بحركة هذه التدفقات في الأجل القصير.
تحذير من كلفة اقتصادية أوسع
في سياق سابق مرتبط بالظاهرة نفسها، حذر الخبير الاقتصادي محمد عبد الهادي. من أن خروج جزء من هذه الاستثمارات "شكّل ضغطا مباشرا على سعر الصرف وساهم في رفع معدلات التضخم". مؤكدا أن الاقتصادات يمكن أن تتعافى سريعا إذا توفرت الإرادة السياسية للتهدئة، معتبرا أن "المشكلة ليست في الأزمات ذاتها. بل في إطالة أمد الصراعات التي تستنزف فاتورة الاستيراد". ومحذرا من أن استمرار الحرب الإقليمية يمثل "العدو الأول لاستقرار" المؤشرات الكلية للاقتصاد المصري.
هشاشة بنيوية: اعتماد قديم على التمويل قصير الأجل
يربط خبراء أسواق المال هذه التقلبات المتكررة بطبيعة "الأموال الساخنة" ذاتها؛ إذ أوضح محمد كمال. خبير أسواق المال والاستثمار، أن الاعتماد على هذا النوع من الاستثمارات في مصر ليس وليد اللحظة. بل تحوّل إلى نهج واضح منذ قرار تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016. حين قدّمت مصر أحد أعلى معدلات الفائدة عالميا. ما جعلها "مغناطيسا" لهذه الاستثمارات الدولية السريعة الحركة.
وأشار كمال إلى أن ذروة الاعتماد عليها سُجلت في عامي 2020 و2021، حين تجاوزت هذه الاستثمارات حاجز 30 مليار دولار. ما خلق شعورا "زائفا" بالوفرة الدولارية، سرعان ما اصطدم بالواقع مع اندلاع الأزمات العالمية المتلاحقة. محذرا من أن استمرار الاعتماد على هذا النوع من التمويل كمصدر أساسي للعملة الصعبة يمثل نقطة ضعف هيكلية يجب معالجتها.


