تقاريرعربي ودولي

بعد عقود من النفوذ.. حرب غزة تفتح معركة جديدة بين إيباك والناخب الأمريكي

ما هي إيباك؟

اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (AIPAC)، المعروفة اختصاراً بـ"إيباك"، هي جماعة ضغط (لوبي) تأسست عام 1959 في الولايات المتحدة، وتُعرّف نفسها بأنها منظمة أمريكية "غير حزبية" تهدف إلى تعزيز العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل عبر التأثير في الكونغرس والإدارات الأمريكية المتعاقبة.

ولعقود طويلة، اعتمدت إيباك على أسلوب اللوبي التقليدي: الاجتماعات المباشرة مع أعضاء الكونغرس، تنظيم مؤتمرات سنوية ضخمة يحضرها كبار المسؤولين من الحزبين، وحشد الدعم السياسي دون تمويل مباشر للحملات الانتخابية.

من اللوبي إلى صناديق التمويل السياسي

شكّل عام 2021 نقطة تحول جوهرية في تاريخ المنظمة؛ ففي ديسمبر من ذلك العام، أعلنت إيباك -للمرة الأولى في أكثر من 60 عاماً من عملها كجماعة ضغط- إنشاء لجنة عمل سياسي خاصة بها (AIPAC PAC) بالإضافة إلى لجنة عمل سياسي "فائقة" (Super PAC) أُطلق عليها اسم "مشروع الديمقراطية المتحدة" (United Democracy Project - UDP).

هذا التحول حوّل إيباك من مجرد جماعة ضغط إلى واحد من أكبر الممولين المباشرين للحملات الانتخابية في الكونغرس الأمريكي.

فبينما تقتصر لجنة العمل السياسي التقليدية على تبرعات محدودة قانونياً (لا تتجاوز 5 آلاف دولار لكل حملة وفق سقوف التمويل الفيدرالي)، يمكن لصندوق "مشروع الديمقراطية المتحدة" (Super PAC) جمع وإنفاق مبالغ غير محدودة قانونياً على الدعاية المؤيدة أو المعارضة لمرشحين بعينهم، طالما لم يكن هناك تنسيق مباشر مع حملاتهم.

حجم الإنفاق: من الملايين إلى مئات الملايين

تشير بيانات لجنة الانتخابات الفيدرالية الأمريكية (FEC) إلى تصاعد كبير في إنفاق إيباك الانتخابي خلال السنوات الأخيرة:

  • خلال دورة انتخابات 2022، أنفق "مشروع الديمقراطية المتحدة" وحده نحو 32.9 مليون دولار.
  • في دورة 2024، أعلنت إيباك عزمها إنفاق نحو 100 مليون دولار عبر أذرعها السياسية المختلفة، ليصل إجمالي إنفاق اللجنتين خلال دورة 2023-2024 إلى ما يقارب 127 مليون دولار.
  • دخلت اللجان المرتبطة بإيباك دورة انتخابات 2026 برصيد يتجاوز 100 مليون دولار مخصص للإنفاق الانتخابي.

وبحسب تحليلات صحافية تتبعت سجلات لجنة الانتخابات الفيدرالية، أنفقت إيباك أموالاً في أكثر من 80% من مقاعد الكونغرس المتنافس عليها خلال دورة 2024 (نحو 389 من أصل 469 مقعداً)، مع تركيز واضح على الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمواجهة مرشحين يوصفون بأنهم "منتقدون لإسرائيل".

التأثير على تركيبة الكونغرس

تشير تقديرات بحثية إلى أن إيباك تُعد الممول التاريخي الأكبر لعدد كبير من أعضاء الكونغرس الحاليين، إذ ورد أنها المصدر التمويلي الأول على الإطلاق لنحو 81 عضواً في الكونغرس (نحو 15% من إجمالي أعضائه)، يتوزعون بين مجلسي الشيوخ والنواب.

وقد نجحت الحملات المدعومة من إيباك في إسقاط عدد من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين المعروفين بمواقفهم الناقدة لسياسات إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، من أبرزهم النائبان جمال باومان وكوري بوش، اللذان خسرا انتخاباتهما التمهيدية بعد حملات إعلانية مكثفة موّلتها لجان مرتبطة بإيباك.

حرب غزة.. نقطة تحول في الرأي العام الأمريكي

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، شهد الخطاب السياسي الأمريكي تجاه إيباك تحولاً ملحوظاً.

فمع تصاعد أعداد الضحايا المدنيين في القطاع، ووصف عدد من المنظمات الحقوقية والقانونية الدولية -بما في ذلك بعض إجراءات محكمة العدل الدولية ومقررين أمميين- لما يجري بأنه يرقى إلى جرائم حرب أو إبادة جماعية (وهو وصف ترفضه إسرائيل وتعتبره غير دقيق)، بدأ جزء متزايد من الرأي العام الأمريكي، وخاصة في صفوف الناخبين الديمقراطيين الشباب، في إعادة النظر في العلاقة التاريخية غير المشروطة تقريباً بين واشنطن وتل أبيب.

وترافق ذلك مع تصاعد انتقادات مباشرة لدور إيباك في هذا السياق، إذ يتهمها منتقدوها -ومن بينهم شخصيات سياسية بارزة مثل السيناتور بيرني ساندرز- بأنها تستخدم نفوذها المالي لضمان استمرار الدعم العسكري والسياسي غير المشروط لإسرائيل، وبأنها تعاقب أي صوت ديمقراطي ينتقد سياسات الحكومة الإسرائيلية عبر تمويل حملات مضادة له في الانتخابات التمهيدية.

في المقابل، تدافع إيباك عن نفسها بالقول إن دعمها لإسرائيل يعكس مصلحة استراتيجية أمريكية تاريخية تحظى بتوافق من الحزبين، وأنها تمارس حقها القانوني في التمويل الانتخابي أسوة بجماعات ضغط أخرى.

كما تجدر الإشارة إلى أن النقاش حول إيباك نفسه أصبح موضع خلاف: فبينما يرى منتقدوها أن انتقادها لا علاقة له بمعاداة السامية بل هو نقد سياسي مشروع لجماعة ضغط تمارس نفوذاً مالياً ضخماً، تحذر جهات أخرى -من بينها منظمات يهودية تقدمية مثل "أجندة نيويورك اليهودية"- من أن بعض الخطاب المستخدم ضد إيباك، مثل وصفها بـ"الوحوش"، قد يتجاوز النقد السياسي إلى لغة تحمل دلالات مثيرة للقلق في سياق تصاعد خطاب معاداة السامية.

"صفعات" انتخابية حديثة: من نيويورك إلى ميشيغان

شهدت الأشهر الأخيرة مؤشرات على تراجع فعالية النفوذ الانتخابي لإيباك في عدد من السباقات البارزة:

نيويورك (2025): فاز زهران ممداني، المرشح اليساري ذو الخلفية الاشتراكية الديمقراطية، بالانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمنصب عمدة نيويورك، ثم بالانتخابات العامة. رغم إنفاق ضخم تجاوز 40 مليون دولار من لجان عمل سياسي مؤيدة لمنافسه أندرو كومو ومعارضة لممداني. معظمه من متبرعين أثرياء (من بينهم مايكل بلومبرغ وبيل أكمان) وليس من إيباك مباشرة.

وقد اتخذ ممداني موقفاً علنياً حاداً من إيباك نفسها. واصفاً إياها في إحدى فعالياته الانتخابية بأنها من "الوحوش" التي تحول دون تحقيق العدالة في المنطقة. وهو تصريح أثار جدلاً واسعاً وانتقادات من جهات يهودية عدة، حتى المتعاطفة منها مع مواقفه.

ميشيغان (أغسطس 2026): مثّل فوز عبد العليم السيد. الطبيب الأمريكي من أصل مصري، بالانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ضربة مباشرة وموثقة لإيباك هذه المرة. إذ أنفقت لجانها المرتبطة أكثر من 46 مليون دولار. (وتشير بعض التقديرات إلى ما يصل لـ60 مليون دولار بالتضافر مع جهات أخرى). لدعم منافسته النائبة هايلي ستيفنز، المعروفة بمواقفها المؤيدة بقوة لإسرائيل. في ما وُصف بأنه السباق التمهيدي الديمقراطي الأكثر كلفة في تاريخ مجلس الشيوخ الأمريكي.

ورغم هذا الإنفاق الاستثنائي، فاز السيد بفارق ضئيل. ليصبح -في حال فوزه بالانتخابات العامة في نوفمبر أمام المرشح الجمهوري مايك روجرز- أول عضو مسلم في مجلس الشيوخ الأمريكي في التاريخ.

عقب هذه الخسارة، أصدرت إيباك بياناً أكدت فيه عزمها مواصلة معارضة السيد حتى الانتخابات العامة. واصفة برنامجه بأنه "أجندة متطرفة معادية لإسرائيل". وهو ما يعكس أن المنظمة لا تعتبر هذه الخسارة نهاية المعركة بل بداية جولة جديدة منها.

ليست كلها خسائر: فوز حقيقي في سباقات أخرى

مع ذلك، لا يمكن القول إن نفوذ إيباك الانتخابي انهار بالكامل؛ ففي التوقيت نفسه الذي خسرت فيه معركة ميشيغان. أعلنت المنظمة فوز نحو 30 مرشحاً وصفتهم بأنهم "مؤيدون لإسرائيل" في انتخابات تمهيدية أخرى جرت في اليوم نفسه. من بينهم النائب الديمقراطي عن ولاية ميزوري ويسلي بيل، الذي هزم للمرة الثانية النائبة السابقة كوري بوش الناقدة لإسرائيل.

كما فاز مرشح مدعوم من إيباك في انتخابات تمهيدية بولاية ميريلاند.

هذا التباين يشير إلى أن إيباك لا تزال تملك قدرة تأثير حقيقية في كثير من السباقات، لكنها باتت تواجه. وللمرة الأولى بهذا الوضوح. هزائم مكلفة ومدوية في سباقات أصبحت فيها معارضة إيباك نفسها -لا مجرد الموقف من إسرائيل- عاملاً حاسماً في حشد الناخبين. خصوصاً في الأوساط التقدمية للحزب الديمقراطي.

اقرأ أيضا

"شيوعي فاشل يكره اليهود".. ترامب يهاجم عبد الرحمن السيد مرشح الديمقراطيين بميشيجان

زر الذهاب إلى الأعلى