أين مصر من تحالف الدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان؟
أثار التطور المتسارع في العلاقات الدفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان تساؤلات بشأن موقع مصر في خريطة التحالفات الأمنية الجديدة بالشرق الأوسط، خصوصًا مع امتلاك القاهرة علاقات عسكرية وسياسية تاريخية مع الرياض وأنقرة وإسلام آباد، ووجود آلية تنسيق رباعية تجمع الدول الأربع.
وكانت السعودية وباكستان قد وقعتا في سبتمبر 2025 اتفاقية للدفاع الاستراتيجي المشترك، تنص على اعتبار أي اعتداء على إحدى الدولتين اعتداءً على الأخرى، في خطوة عززت التعاون العسكري بين الرياض وإسلام آباد.
وفي الوقت نفسه، اتجهت تركيا إلى تعميق تعاونها الدفاعي مع السعودية، فيما شهد عام 2026 اجتماعات رباعية ضمت مصر والسعودية وتركيا وباكستان لبحث الملفات الأمنية والإقليمية.
وهنا يبرز السؤال: إذا كانت القاهرة جزءًا من هذا التنسيق الرباعي، فلماذا لا تتحول هذه الآلية إلى اتفاق دفاع مشترك يضم مصر؟

مصر حاضرة في التنسيق.. لكنها خارج المعاهدة الدفاعية
المفارقة أن القاهرة ليست بعيدة عن الترتيبات الجديدة؛ فقد استضافت اجتماعًا رباعيًا لوزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وأكد عبد الفتاح السيسي أن التطورات الإقليمية أظهرت أهمية الدول الأربع باعتبارها ركائز أساسية للاستقرار والأمن الإقليميين.
كما دعت القاهرة إلى تطوير آلية التشاور الرباعية لتصبح إطارًا مؤسسيًا أكثر فاعلية، وهو ما يعني أن مصر موجودة بالفعل في مسار التنسيق السياسي والأمني، لكنها لم تتحول حتى الآن إلى طرف في اتفاقية دفاع ملزمة على غرار الاتفاق السعودي-الباكستاني.
ويعكس ذلك، بحسب قراءات سياسية واستراتيجية منشورة، اختلافًا في طبيعة المصالح التي تدفع كل دولة إلى بناء تحالفاتها الدفاعية.
لماذا اختارت السعودية باكستان؟
أحد أبرز التفسيرات التي طُرحت عقب توقيع الاتفاق السعودي-الباكستاني يتعلق بالقدرات العسكرية والاستراتيجية لإسلام آباد، وعلى رأسها امتلاكها ترسانة نووية، إلى جانب خبرة عسكرية طويلة وعلاقات دفاعية تاريخية مع السعودية.
وتشير تحليلات منشورة إلى أن العلاقة العسكرية بين الرياض وإسلام آباد ليست وليدة الاتفاق الأخير، بل تمتد لعقود، وشملت التدريب والتعاون العسكري ووجود عناصر عسكرية باكستانية في السعودية، وهو ما جعل الانتقال إلى اتفاق دفاعي ملزم أكثر سهولة من إنشاء ترتيبات مشابهة مع طرف جديد.
وفي المقابل، تمتلك مصر ثقلًا عسكريًا وجغرافيًا كبيرًا، إلا أن أولوياتها الأمنية تختلف عن الأولويات السعودية في عدد من الملفات، كما أن القاهرة تحرص تاريخيًا على الاحتفاظ بهامش واسع من الحركة في سياستها الخارجية وعدم الدخول في التزامات عسكرية قد تفرض عليها التدخل في نزاعات لا تتطابق بالضرورة مع حساباتها الوطنية.
هل يمثل الاتفاق تراجعًا لدور مصر؟
لا توجد مؤشرات رسمية على أن السعودية تنظر إلى القاهرة باعتبارها دولة مستبعدة من ترتيبات الأمن الإقليمي. بل على العكس، تشير التحركات الدبلوماسية خلال 2026 إلى استمرار التنسيق بين الدول الأربع.
وفي هذا السياق، رأى اللواء أركان حرب محمود رشاد، الخبير الاستراتيجي، في تصريحات نشرتها صحيفة «النهار»، أن القاهرة والرياض تمثلان مثلث قوة إقليميًا يتعزز بإضافة تركيا وباكستان، معتبرًا أن التعاون بين الدول الأربع يمكن أن يشكل عنصر توازن في المنطقة.
وهذه القراءة تعني أن عدم وجود مصر داخل اتفاق دفاعي موحد لا يعني بالضرورة خروجها من المعادلة، وإنما قد يعكس اختلاف أدوات التعاون بين الدول الأربع؛ فمصر تبدو أكثر ميلًا إلى التنسيق السياسي والعسكري متعدد الأطراف، بدل الدخول في معاهدة تلزمها تلقائيًا بالانخراط العسكري في حال تعرض أحد الشركاء لهجوم.
القاهرة لديها حسابات مختلفة
تملك مصر مصالح أمنية مباشرة في ملفات لا تتطابق بالكامل مع أجندة السعودية أو تركيا أو باكستان. من البحر الأحمر والسودان وليبيا وشرق المتوسط إلى غزة وأمن قناة السويس.
ومن ثم، فإن الدخول في تحالف دفاعي ملزم قد يعني بالنسبة للقاهرة التزامات عسكرية وسياسية أوسع. وربما يضع القوات المصرية أمام سيناريوهات تدخل في أزمات إقليمية لا تشكل جميعها تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري.
كما أن العلاقات المصرية مع أطراف متعددة في المنطقة، بما في ذلك إيران وتركيا ودول الخليج. تجعل سياسة التحالفات المرنة أكثر توافقًا مع النهج المصري القائم على الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف القوى.
تركيا قد تكون الحلقة التي تغير المعادلة
أما دخول تركيا بصورة أعمق في الترتيبات الدفاعية مع السعودية، فيضيف بعدًا جديدًا إلى المشهد. خصوصًا أن أنقرة تمتلك صناعة دفاعية متقدمة وقدرات عسكرية كبيرة، بينما تمثل باكستان عنصر الردع النووي. وتمتلك السعودية الثقل المالي والسياسي والجغرافي.
أما مصر، فتملك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا يتحكم في قناة السويس والبحر الأحمر. إضافة إلى قوة عسكرية كبيرة وخبرة طويلة في إدارة الملفات الأمنية العربية.
ومن هنا، فإن أي تحول مستقبلي من آلية التشاور الرباعية إلى ترتيبات دفاعية مؤسسية سيكون من الصعب تجاهل القاهرة فيه. حتى لو لم تكن جزءًا من الاتفاق الأول.
السؤال الأهم: استبعاد أم اختلاف في الحسابات؟
المعطيات المتاحة لا تكفي للقول إن مصر «استُبعدت» من تحالف سعودي-تركي-باكستاني. خصوصًا أن القاهرة تشارك بالفعل في آلية تنسيق رباعية مع الدول الثلاث.
والأقرب أن المشهد يعكس تعدد مستويات التعاون الأمني في المنطقة: اتفاق دفاعي ملزم بين السعودية وباكستان. وتعاون دفاعي متنامٍ بين الرياض وأنقرة، وفي المقابل آلية تشاور رباعية تضم مصر والدول الثلاث.
وبالتالي، فإن السؤال بالنسبة للقاهرة لا يتعلق فقط بسبب عدم توقيعها على اتفاق دفاع مشترك. وإنما بما إذا كانت ستتمكن من تحويل ثقلها العسكري والجغرافي والسياسي إلى موقع مؤثر داخل هندسة الأمن الإقليمي الجديدة. من دون أن تقيد نفسها بالتزامات عسكرية قد تحد من قدرتها على المناورة.



