اقتصاد

"تبيع من جهة وتؤسس من جهة أخرى".. سؤال للحكومة عن التناقض في سياسة ملكية الدولة

بينما تُطرح وثيقة سياسة ملكية الدولة 2026-2030 كإطار حاكم يستهدف خفض البصمة الاقتصادية للحكومة وتوسيع مساحة القطاع الخاص، تقدم النائب محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، بسؤالين برلمانيين يضعان قرارين حكوميين حديثين في مواجهة مباشرة مع هذا الخطاب المعلن: تأسيس صندوق استثماري جديد يدخل كمساهم في مصانع خاصة متعثرة، ومنح جامعة حكومية ترخيصا لتأسيس شركة تنافس القطاع الخاص في أسواق قائمة بالفعل.

السؤال الجوهري الذي يطرحه فؤاد ليس عن مبدأ التدخل الحكومي في ذاته، بل عن حدوده، وعمّا إذا كانت الدولة تُعيد إنتاج ملكيتها الاقتصادية بأشكال جديدة بدل تقليصها فعليا كما تعد.

صندوق جديد يدخل في ملكية مصانع لم تكن للدولة أصلا

يسمح قرار مجلس الوزراء للهيئة العامة للتنمية الصناعية بتأسيس صندوق في شكل شركة مساهمة مصرية، بناء على توصية وحدة الشركات المملوكة للدولة، يشارك مباشرة في أسهم أو حصص شركات متعثرة بقطاعات الصناعات الغذائية والهندسية والكيماوية والمنسوجات والملابس الجاهزة والدوائية والإنشائية.

يوضح فؤاد أن جوهر إشكاليته ليس في مبدأ دعم المصانع المتعثرة، بل في كون هذا الدعم يتم عبر تملك الدولة حصصا في كيانات لم تكن مملوكة لها من قبل، متسائلا بشكل مباشر: هل هذا توسع جديد في ملكية الدولة، وما المبرر الاستراتيجي له في ظل وثيقة تنص صراحة على خفض هذه الملكية؟

تعريف غائب.. من يحدد "المصنع المتعثر" وبأي معيار؟

يكشف فؤاد عن ثغرة جوهرية سابقة على أي نقاش حول جدوى الصندوق نفسه: غياب تعريف حكومي واضح لمصطلح "المصنع المتعثر" حتى الآن.

فبدون معايير مالية وتشغيلية وفنية محددة تُبنى عليها قرارات دخول الصندوق في رأسمال أي منشأة، وبدون تحديد الجهة المخولة بتقييم حالة التعثر وقابلية إعادة الهيكلة، يصبح الباب مفتوحا نظريا أمام تفسيرات واسعة لما يستحق تدخلا حكوميا مباشرا بالملكية، وهو ما يطالب فؤاد الحكومة بحسمه قبل المضي في تفعيل الصندوق.

أسئلة مالية مباشرة.. حجم رأس المال ومصادره وسقف المخاطرة

لا يكتفي فؤاد بالسؤال عن المبدأ، بل يطالب بالإفصاح عن تفاصيل تشغيلية جوهرية: حجم رأس مال الصندوق ومصادر تمويله وهيكل ملكيته، والحد الأقصى المسموح به لانكشاف المال العام على استثماراته.

كما يطالب بالكشف عن الدراسة التي قارنت -إن وُجدت. بين خيار التدخل الحكومي المباشر بالملكية وبين بدائل أخرى كصناديق الاستثمار الخاصة. أو إعادة الهيكلة المصرفية التقليدية، أو الشراكة مع القطاع الخاص. أو طرح الشركات القابلة للاستمرار على مستثمرين استراتيجيين مباشرة دون وساطة حكومية.

غياب مثل هذه المقارنة، إن ثبت. يعني أن خيار "الدولة كمالك" قد اتُخذ دون فحص جدي للبدائل الأقل توسعا في الملكية العامة.

الفارق الجوهري.. تدخل مؤقت للإنقاذ أم ملكية دائمة جديدة؟

يضع فؤاد تمييزا دقيقا يشكل صلب اعتراضه. فارق جوهري بين تدخل تصحيحي مؤقت يهدف لإعادة هيكلة منشأة متعثرة ثم التخارج منها لاحقا لصالح القطاع الخاص. وبين إنشاء وعاء استثماري حكومي دائم يتحول تدريجيا إلى مالك مستقر في قطاعات تنافسية أصلا.

هذا التمييز يحدد بدقة أين يكمن قلق النائب: ليس في فكرة الإنقاذ الحكومي وقت الأزمة. بل في احتمال تحول هذا الإنقاذ إلى وجود اقتصادي دائم للدولة في قطاعات كان يُفترض أن تنسحب منها تدريجيا بحسب سياستها المعلنة نفسها.

جامعة السويس تدخل سوقا يعمل فيه القطاع الخاص بالفعل

في سؤاله البرلماني الثاني، يتناول فؤاد ترخيص جامعة السويس بتأسيس شركة "جامعة السويس للخدمات المتكاملة". والتي تشمل أنشطتها المعلنة الاستشارات الهندسية والمالية والتجارية والبرمجيات والتدريب وحاضنات الأعمال. وجميعها أنشطة يقدمها القطاع الخاص فعليا في السوق المصرية.

هنا يتجاوز الاعتراض ملف "الإنقاذ" إلى ملف مختلف تماما. دخول جهة حكومية (جامعة عامة) كمنافس مباشر في سوق تنافسية قائمة بالفعل. لا كمنقذ لكيان متعثر.

اقرأ أيضا

صندوق النقد يتوقع تعافي إيرادات قناة السويس إلى مستويات ما قبل أزمة البحر الأحمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى