11 مليار جنيه من "سرقة الكهرباء".. هل تحولت غرامات المواطنين إلى مورد مالي للحكومة؟
تحولت حصيلة محاضر سرقة التيار الكهربائي إلى رقم لافت خلال السنة المالية 2025-2026، بعدما نجحت شركات توزيع الكهرباء في تحصيل نحو 11 مليار جنيه من قيمة المحاضر المحررة ضد المخالفين، بزيادة تتجاوز 50% مقارنة بأكثر من 7 مليارات جنيه خلال العام المالي السابق.
وبحسب بيانات نقلتها «الشرق بلومبرغ» عن مسؤول حكومي، فإن الرقم القياسي للحصيلة يأتي بالتزامن مع تكثيف حملات ضبط مخالفات سرقة التيار، ولا سيما في المناطق والأنشطة كثيفة الاستهلاك.
لكن ارتفاع الحصيلة يفتح باباً أوسع للنقاش حول طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن في ملف الكهرباء: فهل تنظر الحكومة إلى مكافحة سرقة التيار باعتبارها إجراءً ضرورياً لحماية المال العام وتقليل الفاقد، أم أن الغرامات ومحاضر المخالفات أصبحت في الوقت نفسه مورداً مالياً مهماً للخزانة والجهات الحكومية؟
11 مليار جنيه في عام واحد
الأرقام تكشف حجم الأموال التي أصبحت شركات توزيع الكهرباء قادرة على تحصيلها من محاضر المخالفات.
فمن إجمالي نحو 11 مليار جنيه جرى تحصيلها خلال العام المالي الماضي، بلغت قيمة المحاضر المحررة ضد المصانع وحدها نحو 5 مليارات جنيه، جرى تحصيل 3.5 مليار جنيه منها، بينما تستمر شركات التوزيع في تحصيل المبالغ المتبقية.
وتزامن ذلك مع ارتفاع إجمالي الفقد الفني والتجاري لدى شركات توزيع الكهرباء إلى نحو 55 مليار جنيه، استحوذ الفقد التجاري على حوالي 43 مليار جنيه منها.
واللافت هنا أن الفقد التجاري لا يعني بالضرورة سرقة الكهرباء فقط، وإنما يشمل أيضاً العدادات المغلقة والمؤجلات والتأخر في تحصيل المستحقات.
الحكومة: مكافحة السرقة.. لكن ماذا عن الإيرادات؟
تقدم الحكومة المصرية حملتها ضد سرقة الكهرباء باعتبارها جزءاً من محاولة السيطرة على الفقد واستعادة أموال القطاع.
وزير الكهرباء والطاقة المتجددة محمود عصمت قال إن الحكومة تعمل على إعداد تشريع لتغليظ عقوبات سرقة التيار، مؤكداً في الوقت نفسه أن معدلات السرقات تتراجع، لكنها ما زالت موجودة.
غير أن ضخامة الأرقام تفرض سؤالاً آخر: إلى أي مدى أصبحت المخالفات والغرامات والتحصيلات جزءاً من إدارة الموارد المالية للدولة؟
فالحكومة لا تواجه فقط تكلفة إنتاج الكهرباء، وإنما تواجه أيضاً فجوة بين تكلفة الخدمة وما يدفعه المستهلك.
وفي هذا السياق، قال وزير الكهرباء إن إجمالي ما تتحمله الدولة لدعم القطاع يبلغ نحو 370 مليار جنيه سنوياً، بينها نحو 107 مليارات جنيه تمثل الفارق بين تكلفة إنتاج الكهرباء وأسعار بيعها للمستهلكين، ونحو 270 مليار جنيه دعماً للغاز المستخدم في محطات التوليد.
رفع الأسعار من جهة.. وتحصيل الغرامات من جهة أخرى
المشهد المالي لقطاع الكهرباء لا يتوقف عند الغرامات.
ففي الوقت الذي كثفت فيه الحكومة إجراءاتها ضد سرقة التيار. رفعت وزارة الكهرباء في 31 يوليو أسعار الكهرباء للاستخدامات المنزلية بمتوسط 12%، مع الإبقاء على سعر الشريحة الأولى دون زيادة.
كما رفعت أسعار الكهرباء للأنشطة كثيفة الاستهلاك بنحو 20% للمنشآت التي يتجاوز استهلاكها خلال ساعات الذروة 250 كيلوواط/ساعة.
وبذلك يجد المواطن نفسه أمام أكثر من مسار لزيادة الموارد المرتبطة بالكهرباء: رفع أسعار الخدمة، تحصيل المتأخرات. ضبط المخالفات، وفرض الغرامات على حالات سرقة التيار.
وهنا تبرز المسألة الأكثر حساسية. هل أصبحت سياسة الدولة في قطاع الكهرباء قائمة بدرجة متزايدة على تعظيم ما تحصل عليه من المواطنين والمنشآت. بدلاً من معالجة جذور أزمة التكلفة والفقد والإنتاج؟



