بعد سنوات.. تعويضات "خزان أسوان والسد العالي" تثير غضب النوبيين بدل أن تُرضيهم
بعد ما يقارب ستة عقود على تهجير قسري بدأ مع بناء خزان أسوان وتفاقم مع إنشاء السد العالي، وبعد ست سنوات على تشكيل لجنة رسمية لحصر المستحقين، أصدر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قرارا بصرف تعويضات عينية ونقدية لعدد محدود من المتضررين.
لكن التوقيت اللافت للقرار - الذي جاء بعد ثلاثة أيام فقط من مؤتمر شعبي نوبي حاشد طالب بحقوق أوسع بكثير من مجرد التعويض - يطرح سؤالا يتجاوز مضمون القرار نفسه إلى دلالته السياسية: هل هو استحقاق طال انتظاره، أم محاولة لاحتواء تحرك شبابي متصاعد؟
ماذا تضمن القرار؟
نشرت الجريدة الرسمية، اليوم الأحد، قرار رئيس مجلس الوزراء بشأن صرف تعويضات عينية ونقدية لمن لم يتم تعويضهم عن بناء وتعلية خزان أسوان وإنشاء السد العالي، وجاء موزعا على النحو التالي:
- تمليك 44 شخصا من المتضررين الأراضي المقام عليها مساكنهم، في مناطق غرب سهيل والسيل الريفي.
- توزيع نحو 133 فدانا من الأراضي الزراعية في منطقتي "خورقندي" و"وادي الأمل" على 86 حالة مستحقة.
- توزيع 4 وحدات سكنية في أسوان والإسكندرية على 4 من المتضررين.
- صرف مبالغ نقدية تزيد على 11 مليون جنيه من الخزانة العامة، بديلا عن أراض أو وحدات سكنية.
واشترط القرار تقديم إفادة رسمية بعدم سبق حصول المتضرر أو ورثته على تعويض سابق، على أن يتولى محافظ أسوان ووزارة الإسكان التوقيع على العقود بحسب طبيعة كل حالة.
لماذا استغرق التعويض كل هذه السنوات؟
يعود الجدل حول هذا الملف إلى 2019، حين شكّل رئيس الوزراء لجنة وطنية لتعويض أهالي النوبة برئاسة وزارة شؤون المجالس النيابية، أوكلت إليها مهمة وضع القواعد التنفيذية وصياغة نماذج العقود.
وفتحت اللجنة باب تلقي الطلبات على مرحلتين، الأولى في 2019 والثانية بين يناير وأبريل 2021، تقدم خلالهما 7209 مستحقين من إجمالي 11500 مستحق مسجل.
بعبارة أخرى، مرت نحو خمس سنوات بين إعلان أسماء المتقدمين وتحديد تعويضاتهم في 2023، وبين صدور قرار التنفيذ الفعلي الذي نُشر اليوم - وهي فجوة زمنية لم يوضح القرار المنشور أو التصريحات الرسمية السابقة أسبابها بشكل مباشر، ما ترك الباب مفتوحا أمام قراءات مغايرة من نشطاء الملف حول دوافع توقيت الإعلان.
توقيت القرار يثير الشكوك
جاء القرار بعد ثلاثة أيام فقط من مؤتمر شعبي نوبي حاشد. عقد بقرية السيالة والمحرقة تحت عنوان "المؤتمر الشعبي النوبي للتعمير والتنمية المستدامة". وحضره المئات مطالبين بتنفيذ المادة 236 من الدستور الخاصة بتنمية المناطق الحدودية والمحرومة. وبتشكيل لجنة تضم متخصصين وشبابا وممثلي القرى النوبية لوضع خطط تنموية شاملة.
وقال مصدران شاركا في تنظيم المؤتمر، طلبا عدم نشر اسميهما، إن القرار لا علاقة له بالمطالب التي رفعها المشاركون.
ووصف أحدهما القرار بأنه "مسكنات" تستهدف تهدئة شباب النوبة. مشيرا إلى أن هذا النمط من القرارات يتكرر كلما ظهر تحرك نوبي للمطالبة بحقوق أساسية.
"تعويضات هزيلة" بفعل تراكم الورثة
إلى جانب توقيت القرار، يرى مصدران آخران أن قيمة التعويضات نفسها أصبحت غير مجدية. نظرا لأن أغلب المتضررين الأصليين تضرروا في ستينيات القرن الماضي وتوفوا لاحقا. ما يعني توزع التعويض على أعداد كبيرة من الورثة الشرعيين.
وضرب أحد المصدرين مثالا بحالة حصلت على تعويض بقيمة 250 ألف جنيه عام 2019، لكن صاحبتها كانت متوفاة ولديها 13 وريثا. ما يعني حصول كل وريث على نحو 19 ألف جنيه فقط . وهو ما اعتبره المصدر دليلا على أن آلية التعويض الحالية لم تعد تراعي واقع الأسر النوبية بعد مرور عقود على وقوع الضرر الأصلي.
مطالب النوبيين تتجاوز التعويض المادي
لم تقتصر مطالب المشاركين في مؤتمر السيالة والمحرقة على التعويضات. بل طالبوا بتمليك الشباب النوبي وحدات سكنية وتجارية في توشكى الجديدة، وإقامة قرى نموذجية في مناطق النوبة القديمة. وإزالة العقبات أمام إقامة مشروعات استثمارية زراعية وتعدينية وسمكية لأبناء النوبة. إلى جانب الدعوة لعقد لقاءات مباشرة مع ممثلي وزارة الدفاع والمخابرات العامة ووزارات معنية أخرى لمناقشة هذه الملفات.

