بينما يعيش المصريون يوميا تجربة ملموسة مع ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية، يبقى الرقم الذي يُفترض أن يترجم هذه التجربة إحصائيا - نسبة من يعيشون تحت خط الفقر - مجمدا عند آخر قياس رسمي يعود إلى عام 2021.
هذه الفجوة الزمنية، التي تجاوزت الآن خمس سنوات كاملة، تفتح الباب أمام تساؤل مشروع: هل يعكس غياب التحديث تعقيدا تقنيا معتادا في هذا النوع من المسوح الإحصائية، أم أن توقيت الفجوة - المتزامن تحديدا مع أعنف موجة تضخم وتراجع في قيمة الجنيه تشهدها البلاد منذ عقود - يجعل تفسيرات أخرى واردة أيضا؟
قالت الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد والعميد الأسبق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن آخر بيانات رسمية لمعدلات الفقر في مصر، الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، سجلت نسبة فقراء بلغت 33.5% لعام 2021.
واعتبرت أن من "المتوقع أن تكون هذه النسبة ارتفعت بصورة كبيرة"، نظرا لأن الفترة من 2022 حتى 2024 شهدت موجة تضخم حادة، لا بسبب أزمتي كورونا والحرب الروسية الأوكرانية فقط، مشيرة إلى أن التضخم وصل لمستويات تراوحت بين 28% و30% خلال 2022، مؤكدة أن التضخم "لا يزال موجودا ويؤثر على محدودي الدخل"، رغم تراجع معدله مؤخرا إلى 14.6%.
فجوة زمنية غير مسبوقة في البيانات الرسمية
اللافت أن آخر بيانات رسمية معلنة عن معدلات الفقر في مصر لا تزال تعود لعام 2021 - أي إنها سابقة تماما لموجة التضخم الأعنف التي شهدتها البلاد بين 2022 و2024، والتي تضمنت انخفاضات متتالية وحادة في قيمة الجنيه (تجاوز فيها الدولار حاجز الخمسين جنيها قادما من نحو 15 جنيها قبل تلك الموجة).
هذه الفجوة الزمنية تعني عمليا أن أي حديث رسمي أو غير رسمي عن "معدل الفقر الحالي" في مصر اليوم يظل تقديرا اجتهاديا مبنيا على قراءة اتجاه التضخم والدخل، وليس رقما رسميا موثقا ومحدثا يعكس الواقع الفعلي بعد سنوات الأزمة الأخيرة.
تفسيرات متعددة لهذا الغياب
يطرح هذا التأخير احتمالين رئيسيين. لا يمكن لأي منهما أن يُثبت بشكل قاطع دون تصريح رسمي مباشر من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يوضح السبب:
- تفسير تقني/إجرائي: تعتمد قياسات الفقر عالميا، بما فيها في مصر، على "بحث الدخل والإنفاق واستهلاك الأسرة". وهو مسح ميداني ضخم ومكلف يُجرى كل عدة سنوات (وليس سنويا)، ويحتاج فترة طويلة من الجمع والتحليل قبل الإعلان عنه. ما يجعل فجوات زمنية من هذا النوع أمرا معتادا نسبيا في العديد من الدول، لا خاصا بمصر وحدها.
- تفسير سياسي محتمل: في المقابل، يرى منتقدون ومحللون اقتصاديون. كما تشير تصريحات المهدي نفسها ضمنيا - أن توقيت هذه الفجوة تحديدا. وتزامنها مع أشد موجات التضخم وتراجع العملة قسوة على المواطنين. يثير تساؤلات مشروعة حول ما إذا كان تأخر الإعلان عن مسح جديد يرتبط أيضا بحساسية سياسية. من نشر رقم قد يعكس تدهورا اجتماعيا حادا في هذه الفترة تحديدا.
لماذا يهم هذا الرقم؟
معدل الفقر ليس مجرد إحصاء أكاديمي. بل مؤشر تُبنى عليه سياسات الدعم الاجتماعي واستهداف البرامج الحكومية للفئات الأكثر احتياجا (كبرنامج "تكافل وكرامة" مثلا).
وغياب تحديثه لفترة طويلة يعني أن صناع القرار أنفسهم، فضلا عن الباحثين والمؤسسات الدولية. يعتمدون على صورة قديمة نسبيا لواقع اجتماعي قد يكون تغير بشكل جوهري خلال السنوات الأخيرة. ما يضعف قدرة أي سياسة تستهدف الفقراء على الوصول بدقة لمن يحتاجونها فعليا اليوم.



