النيابة تتبنى رواية الداخلية بقضية "متصدقش" وتتجاهل تعذيب الصحفيين وإجبارهم على الاعتراف
لم تكتفِ النيابة العامة في قضية صحفيي منصة «متصدقش» بتوجيه اتهامات الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، بل قدمت في بيانها الأخير رواية متكاملة تتطابق في جوهرها مع ما سبق أن أعلنته وزارة الداخلية عن طبيعة المنصة وصلتها المزعومة بجماعة الإخوان.
وفي المقابل، تبقى رواية أخرى قدمها الصحفيون ومحاموهم أمام نيابة أمن الدولة، تتحدث عن تعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة خلال فترة احتجازهم، بل وإجبارهم على تصوير «اعترافات» قالوا إنها ملفقة.
وأكدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن هذه الادعاءات وردت على لسان أغلب الصحفيين خلال التحقيقات، بينما قررت نقابة الصحفيين تقديم بلاغ إلى النائب العام للتحقيق فيها.
هنا تبرز القضية الأهم: هل حسمت النيابة مسألة ادعاءات التعذيب، أم أن نتيجة الطب الشرعي التي أعلنتها بشأن ثلاثة متهمين تكفي وحدها لإغلاق هذا المسار؟
النيابة تقدم رواية واحدة للقضية
قالت النيابة العامة، الأربعاء، إن ثلاثة من المتهمين الذين ادعوا تعرضهم لـ«استعمال القسوة» أُحيلوا إلى مصلحة الطب الشرعي، وإن التقارير الفنية انتهت إلى عدم وجود إصابات أو علامات تدل على استخدام العنف بحقهم.
كما قالت إنها عاينت المتهمين الستة ولم تجد إصابات ظاهرة عليهم، في الوقت الذي قررت فيه حبس جميع العاملين الستة بالمنصة احتياطيًا على ذمة التحقيقات.
لكن النتيجة الطبية لا تجيب بالضرورة، من تلقاء نفسها، عن جميع الأسئلة التي أثارتها رواية الصحفيين؛ فالادعاءات التي قدموها، بحسب محاميهم، لم تقتصر على الضرب، وإنما شملت التقييد والتعمية والتهديد والصعق بالكهرباء وخلع الملابس وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز في مقار مختلفة لقطاع الأمن الوطني.
وبالتالي، فإن غياب الإصابات الظاهرة أو العلامات الطبية لدى من فُحصوا لا يحسم وحده، من دون تحقيق مستقل ومتكامل، ما إذا كانت جميع الوقائع التي تحدث عنها الصحفيون قد وقعت أم لا.
«متصدقش» بين روايتين متناقضتين
تقول رواية النيابة إن منصة «متصدقش» ليست مجرد منصة لتدقيق المعلومات، وإنما واجهة إعلامية للجان جماعة الإخوان، تُدار من الخارج بهدف نشر الشائعات والبيانات الكاذبة والتشكيك في مؤسسات الدولة.
وتضيف النيابة أن أحد المتهمين أقر بالانضمام إلى اللجنة الإعلامية للجماعة والعمل في المنصة بتكليف من مسؤول موجود خارج مصر، وتلقي أموال بالعملات الأجنبية، بينما أنكر باقي المتهمين الانضمام إلى الجماعة، باستثناء متهم قال إنه كان عضوًا فيها في السابق وانفصل عنها قبل عمله بالمنصة.
كما قالت النيابة إن الفحص الفني للهواتف والحسابات الإلكترونية أظهر مجموعات تواصل مغلقة ومراسلات مع إدارة المنصة في الخارج. إلى جانب تدوينات مؤيدة للإخوان على حساب أحد المتهمين.
هذه الوقائع، بحسب النيابة، تشكل جزءًا من أدلتها في القضية، لكنها تظل ادعاءات وأدلة محل تحقيق. ولا تعني صدور حكم قضائي يثبت الاتهامات بحق المتهمين.
الاعتراف الذي يثير السؤال الأصعب
الجزء الأكثر حساسية في رواية النيابة يتمثل في إعلانها أن أحد المتهمين أقر بالانضمام إلى اللجنة الإعلامية للإخوان. بالتزامن مع ما نقله محامو الصحفيين عن تعرض عدد منهم للتعذيب وإجبارهم على تصوير اعترافات وصفوها بأنها ملفقة.
ولا يعني ذلك تلقائيًا أن الاعتراف الذي تحدثت عنه النيابة انتُزع بالإكراه. كما لا يمكن اعتبار نفي المتهمين أو ادعائهم التعرض للتعذيب دليلًا قائمًا بذاته على وقوع التعذيب.
لكن التزامن بين الروايتين يجعل ظروف الحصول على هذه الاعترافات جزءًا جوهريًا من القضية. خصوصًا أن الصحفيين قالوا أمام النيابة إنهم تعرضوا لانتهاكات قبل عرضهم على أي جهة قضائية.
وهنا يصبح السؤال القانوني أكثر تحديدًا. ما مدى سلامة أي اعتراف إذا كان صاحبه يطعن أمام جهة التحقيق نفسها في ظروف احتجازه وطريقة انتزاع أقواله؟
هل حُسمت ادعاءات التعذيب؟
حتى الآن، أعلنت النيابة نتيجة فحص ثلاثة متهمين فقط ممن قالوا إنهم تعرضوا للعنف. وأكدت أن تقارير الطب الشرعي لم تجد إصابات أو علامات على استعمال العنف بحقهم.
في المقابل، قالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن الصحفيين قدموا أمام النيابة إفادات تفصيلية عن التعذيب وسوء المعاملة. وأشارت إلى أن محامي الدفاع طالبوا بالتحقيق في تلك الوقائع. كما تحركت نقابة الصحفيين رسميًا وقررت تقديم بلاغ إلى النائب العام بشأن ما قال الصحفيون إنهم تعرضوا له أثناء الاحتجاز.
وتكشف هذه التطورات أن هناك روايتين متعارضتين لم تُحسم جميع عناصرهما علنًا حتى الآن. الأولى رسمية تنفي التعذيب وتستند إلى تقارير الطب الشرعي والتحريات والفحص الفني. والثانية يقدمها المتهمون ومحاموهم ونقابة الصحفيين، وتطالب بتحقيق مستقل في ظروف الاحتجاز.
من «لجنة الإخوان» إلى «أخبار كاذبة»
تتجاوز القضية في هذا السياق مصير الصحفيين الستة إلى مسألة أوسع تتعلق بطريقة بناء الاتهام.
فمنذ بداية القضية، قدمت وزارة الداخلية «متصدقش». باعتبارها جزءًا من اللجان الإعلامية لجماعة الإخوان، بينما قالت المنصة إن هذا الاتهام غير صحيح. واستشهدت بمواد نشرتها على مدار سنوات لتفنيد أخبار ومعلومات منسوبة إلى جهات وشخصيات محسوبة على الجماعة نفسها.


