11 عامًا من الانتظار.. تعويض شيماء الصباغ يصل أخيرًا.. فأين محاسبة المسؤول عن مقتلها؟
بعد أكثر من 11 عاماً على مقتلها، تسلّمت أسرة الناشطة شيماء الصباغ التعويض الذي حكم به القضاء المصري لصالحها منذ عام 2023، أي بعد قرابة ثلاث سنوات كاملة من صدور الحكم نفسه.
وأكد محامي الأسرة، علي سليمان، أن وزارة الداخلية هي من عطّلت إجراءات صرف التعويض طوال هذه الفترة، في مؤشر على استمرار مقاومة مؤسسية لتنفيذ أحكام قضائية باتة ونهائية تخص إحدى أبرز قضايا العنف الأمني في مصر ما بعد ثورة يناير.
هل حوكم القاتل؟ نعم.. لكن كيف؟
خلافاً لتصور شائع بأن قضية شيماء الصباغ ظلت بلا محاسبة قضائية لمرتكبها، تُظهر وقائع القضية أن هناك بالفعل محاكمة جرت وانتهت بحكم نهائي بات، لكن مسارها يكشف نمطاً يستحق التوقف عنده بقدر ما يكشفه تعطيل التعويض.
فقد وُجهت التهمة إلى الملازم أول ياسين حاتم (يظهر اسمه في بعض المصادر بصيغة "ياسين صلاح")، الضابط بقطاع الأمن المركزي، على خلفية إطلاقه عيار خرطوش أودى بحياة الصباغ أثناء فض مسيرة سلمية لا يتجاوز عدد المشاركين فيها 30 شخصاً كانت متجهة لوضع أكاليل ورد عند ميدان التحرير إحياءً لذكرى شهداء ثورة يناير.
لكن مسار الأحكام في القضية شهد تراجعاً متتالياً في شدة العقوبة: فقد صدر الحكم الابتدائي الأول بالسجن المشدد 15 عاماً، قبل أن يُنقض هذا الحكم ويُعاد للمحاكمة، لتصدر محكمة الجنايات حكماً ثانياً هذه المرة بالسجن 10 سنوات، ثم يُطعن على هذا الحكم أيضاً أمام محكمة النقض، التي أصدرت في يوليو 2020 حكمها النهائي البات بتخفيف العقوبة إلى 7 سنوات فقط لا غير، وهي التهمة النهائية التي استقرت عليها القضية: "ضرب أفضى إلى موت"، وليست تهمة القتل العمد.
ووصف المحامي علي سليمان، حينها، الحكم بأنه "رائد" في القضاء المصري باعتباره لم يسبق أن صدر قصاص بهذه الدرجة (7 سنوات فعلية) ضد أحد رجال الشرطة، وهو تعليق يعكس بحد ذاته حجم الاستثناء الذي مثّلته هذه القضية، وليس معياراً معتاداً للمحاسبة.
من محاسبة الفرد إلى تعطيل المؤسسة
إذا كانت محاكمة الضابط ونطق الحكم يمثلان، ولو بشكل منقوص عبر التخفيف المتكرر للعقوبة، خطوة نحو محاسبة فردية، فإن ما جرى لاحقاً مع دعوى التعويض المدني يكشف وجهاً مختلفاً تماماً للقصة: مقاومة مؤسسية مباشرة من وزارة الداخلية نفسها لتنفيذ حكم قضائي نهائي وبات.
فبحسب تصريحات سابقة لمحامي الأسرة، لم تكتفِ الوزارة بالتأخير، بل وُصف موقفها في أكثر من مناسبة بأنه "رفض" تنفيذ الحكم القضائي. وهو ما اعتبره سليمان في حينه "استخفافاً بالسلطة القضائية" ذاتها، أي بمؤسسة القضاء وليس فقط بحق الأسرة المتضررة.
ولم تُحل هذه الأزمة إلا بعد ضغط استمر سنوات، لتحصل الأسرة أخيراً، الأسبوع الماضي. على مبلغ 300 ألف جنيه مصري (أقل من 6 آلاف دولار أميركي). وهو مبلغ وصفه سليمان نفسه بأن "الأموال لم تكن الهدف، بل التأكيد أن هناك خطأ ارتكبته وزارة الداخلية".
هذه العبارة الأخيرة تحديداً تلخص جوهر ما كانت تنتظره الأسرة عملياً: ليس المال في حد ذاته. بل اعترافاً مؤسسياً -ولو ضمنياً عبر تنفيذ الحكم- بمسؤولية جهاز الشرطة عن الحادث. في ظل غياب أي اعتراف أو اعتذار رسمي مباشر من وزارة الداخلية حتى الآن بشأن الواقعة.
قمع الاحتجاج والحصانة الأمنية
تأتي هذه القضية ضمن سياق أوسع يتعلق بتعامل الأجهزة الأمنية المصرية مع المتظاهرين منذ ثورة يناير 2011. حين مارست الشرطة عنفاً واسعاً شمل استخدام الرصاص الحي والمطاطي ضد المحتجين، ما أوقع مئات القتلى والمصابين.
ورغم صدور قرارات تعويض سابقة لأسر شهداء ومصابي الثورة من مجلس الوزراء والمجلس العسكري الذي تولى الحكم خلال المرحلة الانتقالية. بما في ذلك مخصصات شهرية محدودة القيمة لأسر الشهداء. فإن قضية الصباغ -التي وقعت أصلاً في 2015 أثناء إحياء ذكرى الثورة نفسها وليس أثناء أحداثها. تعكس استمرار المخاطر الأمنية على أي شكل من أشكال الاحتجاج السلمي حتى بعد تثبيت الحكم الجديد.
ومنذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم عام 2014، يقيّد قانون التظاهر بشدة حق التجمع السلمي. ويمنح قوات الأمن صلاحيات واسعة لفض أي تجمهر، وهو ما يجعل حالات كحالة الصباغ. التي وثقتها كاميرات الإعلام وانتشرت صورها عالمياً وأثارت موجة استياء محلية ودولية واسعة. استثناءً نادراً وصل إلى إدانة فعلية لضابط أمن مركزي. بينما تبقى حالات أخرى مشابهة أقل توثيقاً أو تغطية إعلامية بلا محاسبة تُذكر حتى اليوم.



