اقتصاد

أزمة الديون تعود للواجهة: ارتباك حكومي ومخاوف من حلول عالية المخاطر

عادت قضية الديون العامة في مصر لتتصدر النقاش العام بقوة، تزامنًا مع بدء عمل مجلس النواب الجديد، ومع تصاعد التساؤلات حول مستقبل الحكومة الحالية وقدرتها على التعامل مع أحد أخطر الملفات الاقتصادية في البلاد.

وجاء هذا الاهتمام المتجدد بعد تصريحات رسمية تحدثت عن قرب إطلاق استراتيجية جديدة لإدارة الدين، عقب تأجيل استمر قرابة عام، من دون الكشف عن تفاصيل واضحة حتى الآن.

وفي الوقت نفسه، ترافقت هذه التصريحات مع تسريبات عن إعداد سردية حكومية شاملة لمعالجة الأزمة.

كما أعادت دوائر إعلامية طرح مقترحات قديمة بصيغ جديدة، أبرزها ما يُعرف إعلاميًا بـ«المقايضة الكبرى»، والتي تقوم على ربط خفض الدين العام باستخدام أصول مملوكة للدولة، أو عبر نقل أعباء الضمان إلى البنك المركزي.

استراتيجية غائبة ومسار غير معلن

ورغم التأكيدات المتكررة من الحكومة بشأن نيتها خفض الدين العام، فإنها لم تعلن حتى اللحظة خطة مفصلة توضح الأدوات المستخدمة، أو الجداول الزمنية المستهدفة، أو حدود المخاطر المحتملة.

وأدى هذا الغموض، بدوره، إلى فتح الباب أمام اجتهادات فردية ومقترحات غير رسمية، تصدرت المشهد الإعلامي، وأثارت حالة من القلق في الأوساط الاقتصادية.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن غياب خريطة طريق واضحة لإدارة الدين يعكس ارتباكًا داخل دوائر صنع القرار، خاصة مع تضخم أعباء خدمة الدين، التي تستنزف جزءًا كبيرًا من إيرادات الموازنة العامة، وتحدّ في الوقت نفسه من قدرة الدولة على التوسع في الإنفاق التنموي والخدمي.

جدل «المقايضة» وتحذيرات من المساس بالسيادة الاقتصادية

وبينما يروج بعض المسؤولين والخبراء لفكرة «المقايضة الكبرى» باعتبارها حلًا استثنائيًا لتخفيف الضغط عن الموازنة العامة، يحذر آخرون من تداعياتها بعيدة المدى على استقلال القرار الاقتصادي.

ويرى الخبير الاقتصادي محمد فؤاد، عضو مجلس النواب السابق، في تصريحات تحليلية سابقة، أن أي حل يعتمد على تسييل أصول الدولة من دون معالجة جذور الأزمة الإنتاجية «ينقل المشكلة من خانة إلى أخرى».

كما يؤكد أن أزمة الديون لا تقتصر على نقص السيولة، بل تعكس نموذجًا اقتصاديًا يعتمد على الاقتراض أكثر من اعتماده على توليد القيمة المضافة.

ومن ناحية أخرى، شدد الخبير الاقتصادي هاني توفيق، في أكثر من مناسبة. على أن رهن أو بيع الأصول الاستراتيجية بهدف سداد الديون يمثل مخاطرة عالية. قد تحرم الدولة من مصادر دخل مستدامة على المدى الطويل.

البنك المركزي في قلب العاصفة

ويتمثل أحد أخطر جوانب المقترحات المطروحة في الزج بالبنك المركزي كضامن مباشر أو غير مباشر للديون العامة.

وفي هذا الإطار، يحذر اقتصاديون من أن هذا التوجه يخلط بين السياسة المالية والسياسة النقدية. ويقوض استقلال البنك المركزي، الذي يفترض أن يركز على استقرار العملة وكبح معدلات التضخم.

كما يؤكد الخبير المصرفي أشرف دوابة، في تحليلات منشورة. أن تحميل البنك المركزي أعباء لا تدخل ضمن اختصاصه قد يؤدي إلى ضغوط متزايدة على الاحتياطي النقدي. ويضعف الثقة في الجهاز المصرفي، خاصة في ظل بيئة اقتصادية عالمية مضطربة وارتفاع تكلفة التمويل.

أزمة هيكلية لا تُحل بالمسكنات

ويتفق عدد متزايد من خبراء الاقتصاد على أن أزمة الديون في مصر تمثل نتاجًا لمسار طويل من التوسع في الاقتراض. جرى توجيهه لتمويل مشروعات كثيفة التكلفة، بعوائد أقل من المتوقع.

كما ساهم تراجع دور القطاعات الإنتاجية القادرة على توليد العملة الصعبة في تعميق الأزمة.

وفي هذا السياق، ترى الدكتورة بسنت فهمي، أستاذة الاقتصاد، في تصريحات إعلامية سابقة. أن أي حديث عن إدارة الدين من دون تنفيذ إصلاح هيكلي حقيقي يشمل الصناعة، والزراعة، والتصدير. وجذب الاستثمار الخاص، يظل في إطار «إدارة الأزمة لا حلها».

وتحذر من أن استمرار هذا النهج يحمل الأجيال القادمة كلفة قرارات قصيرة الأجل.

اقرأ أيضا

“الأعلى أجرًا” و”نمبر 1″. هل تخدم الألقاب صناعة الدراما ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى