كيف تتحول التدريبات العسكرية المصرية التركية إلى معادلة ردع إقليمية جديدة؟
لم يعد التقارب المصري التركي مجرد مصافحات دبلوماسية وبيانات حسن نية؛ فما يجري على أرض الواقع وفي سماء الميدان يحمل رسائل مختلفة تمامًا ، فهناك طائرات مقاتلة تتشارك الأجواء، وبحارية تتناورُ في المتوسط، وأركانٌ عسكريةٌ تتحاور في قلب القاهرة.
الحراك العسكري المتسارع بين البلدين يُعيد رسم خريطة التحالفات في منطقة لا تهدأ، ويضع أنقرة والقاهرة في موقع شريكَين استراتيجيَّين لا مجرد جارَين حسنَي النية.
تدريبات متتالية.. والسماء ساحة للرسائل
أعلنت وزارة الدفاع التركية انطلاق تدريبات جوية ثلاثية تجمع مصر وتركيا وأذربيجان تحت مسمى «تمرين النسر الثلاثي» وهو الأول من نوعه في الأجواء التركية — وذلك في أعقاب تدريب جوي مصري تركي مشترك اختتم فعالياته يوم 21 يونيو الحالي، بعد أن استضافته قواعد جوية مصرية على مدار عشرة أيام.
والتدريب الثلاثي ليس بروفة عسكرية عادية؛ إذ تشارك فيه مقاتلات من طرازات متعددة، أبرزها خمس طائرات مصرية من طراز إف-16، وطائرتان أذريتان من طراز سو-25، وسيستمر حتى الثالث من يوليو المقبل بهدف تطوير القدرات التشغيلية وتعزيز إجراءات العمليات الجوية التكتيكية.
من المتوسط إلى أنقرة.. مسيرة التقارب الدفاعي
المشهد الجوي الراهن ليس إلا الحلقة الأحدث في سلسلة طويلة من التعاون العسكري الذي تعمّق بصورة لافتة خلال الأشهر الأخيرة؛ ففي سبتمبر 2025، خاض الجيشان مناورات «بحر الصداقة» البحرية المشتركة في المتوسط، وفي أبريل الماضي أجرت قواتهما الخاصة تدريبات مشتركة في أنقرة لتسعة أيام متواصلة.
وتوّج هذا المسار انعقاد «اجتماع الحوار العسكري على مستوى الرتب العليا» في القاهرة، الخميس، بحضور رئيس الأركان المصري الفريق أحمد فتحي خليفة، ونظيره التركي سلجوق بيرقدار أوغلو، وسط مشاركة واسعة من قيادات عسكرية رفيعة من البلدين.
الردع أولًا.. قراءة في الرسالة الاستراتيجية
لا يرى العسكريون في هذه التدريبات مجرد تمارين دورية، بل يقرؤون فيها رسالةً ذات عنوان واضح. اللواء نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق بالجيش المصري، يؤكد أن «التدريبات المصرية التركية المكثفة تبعث برسالة ردع في ضوء الاضطرابات الإقليمية»، مستحضرًا المبدأ الاستراتيجي الكلاسيكي: «إذا أردت أن تمنع حرباً فاستعد لها».
ويرى سالم أن هذه التدريبات تُرسل إشارات واضحة بأن القوات المصرية والتركية جاهزتان للتعامل مع أي تهديد يمس أمنهما ومصالحهما الاستراتيجية.
ملفات مشتركة وراء الشراكة
ثمة ما هو أعمق من مجرد التنسيق العسكري يدفع هذا التقارب. فالباحث في الشأن التركي طه عودة أوغلو يصف العلاقات المصرية التركية بأنها تشهد «تقاربًا غير مسبوق» يتخذ عمقًا دفاعيًا حقيقيًا. معزوًا ذلك إلى تطابق في المواقف حول ملفات حارقة كليبيا وسوريا وغزة والأزمة الإيرانية.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، جاءت زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان للقاهرة الأسبوع الماضي لتعكس الوجه الآخر من الشراكة. إذ شارك في اجتماع «الرباعي الإقليمي» الذي يجمع وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية وباكستان.
أذربيجان والأبعاد التي تتجاوز المتوسط
الضلع الثالث في «تمرين النسر الثلاثي» يحمل دلالة استراتيجية لا تخطئها العين. فانضمام أذربيجان إلى التدريب المشترك يشير إلى أن التعاون الدفاعي المصري التركي بات يمتد إلى أبعاد جغرافية تتجاوز شرق المتوسط. في إطار ما يصفه بـ«إعادة تشكيل الرؤية الأمنية في الإقليم».
ما بدأ قبل أربعة أشهر بـ«اتفاقية عسكرية إطارية» على هامش قمة مجلس التعاون الاستراتيجي. يتحول اليوم على وقع اضطرابات المنطقة إلى شراكة عملياتية فعلية تطرق أبواب تحالف استراتيجي بالمعنى الكامل للكلمة.



