صور منزله وخرائط تنقلاته.. كيف تتبعت شبكة مرتبطة بأبوظبي أكاديميا بريطانيا لسنوات؟
عشر سنوات كاملة انتظرها الأكاديمي والناشط البريطاني من أصل عراقي أنس التكريتي قبل أن يعرف الحقيقة: أنه كان، دون علمه، هدفا لعملية مراقبة سرية منظمة على الأراضي البريطانية نفسها، نفذها مرتزق كان على كشوف رواتب أبوظبي، وربما كانت تمهد لتصفيته جسديا.
تحقيق استقصائي لقناة ITV News البريطانية، نشر في 20 أغسطس الجاري، لا يكشف فقط تفاصيل عملية واحدة، بل يفتح نافذة أوسع على نمط متكرر: تتبع أجهزة أمنية مرتبطة بدولة خليجية لناشطين ومعارضين بعيدا عن حدودها الجغرافية، في قلب عواصم غربية تُفترض فيها الحماية القانونية الكاملة لحرية الرأي والتنظيم.
من ساحة حرب في اليمن إلى فندق خمس نجوم في لندن
يوثق التحقيق أن إبراهام جولان، الجندي السابق في الفيلق الأجنبي الفرنسي ومدير شركة "سبير أوبريشنز جروب" الأمنية الخاصة، وصل إلى لندن في ديسمبر 2016 ونزل في فندق فاخر بحي نايتسبريدج، بعد عام واحد فقط من عمله في اليمن ضمن مهمة موّلتها الإمارات بملايين الدولارات، وصفها جولان نفسه لاحقا بأنها "برنامج اغتيالات مستهدفة" حظي بموافقة أبوظبي ضمن التحالف العسكري هناك.
هذا الانتقال المباشر من ساحة حرب مفتوحة إلى عاصمة أوروبية حليفة للإمارات يمثل، بحسب التحقيق، نقطة مفصلية تكشف أن أدوات العمل نفسها -المرتزقة العسكريون السابقون وشبكات المراقبة الخاصة- لم تكن مقصورة على مناطق النزاع، بل امتدت لتشمل مواطنين ونشطاء يعيشون بشكل قانوني كامل في دول ديمقراطية.
مراقبة ميدانية لا برامج تجسس إلكترونية
خلافا لما قد يُتوقع من عمليات مراقبة حديثة تعتمد على برامج تجسس رقمية متطورة، أظهرت الوثائق التي راجعتها ITV أن الاستهداف اعتمد على مراقبة بشرية ميدانية تقليدية: صور لمنزل التكريتي وسيارته السوداء، وصفتها إحدى المواد بشكل مباشر بأنها "منزل الهدف وسيارته"، إلى جانب خرائط وصور أقمار صناعية وملاحظات استطلاع دقيقة حددت الطرق الأكثر احتمالا لتنقله بين منزله ومكتبه، والمدخل الذي يرجح استخدامه للوصول لمقر عمله.
هذا المستوى من التفصيل الميداني يعكس عملية استخباراتية منظمة بمعايير احترافية، لا مجرد رصد عابر أو جمع معلومات عامة.
محاولة تجنيد مستشار بريطاني بمبلغ متصاعد
لم تتوقف العملية عند حدود المراقبة السلبية، إذ حاول جولان تجنيد مستشار استراتيجي بريطاني. أطلق عليه التحقيق اسما مستعارا هو "فيكتور"، سائلا إياه عن إمكانية الوصول للتكريتي أو مؤسسة قرطبة التي يرأسها.
وعرض عليه في البداية 50 ألف جنيه إسترليني. قبل أن يرفع العرض إلى 100 ألف جنيه مقابل المساعدة في تنفيذ الخطة. التي شملت وفق تقارير مرتبطة استدراج التكريتي للقاء عبر شخص ينتحل صفة مؤلف يكتب كتابا عن جماعة الإخوان المسلمين.
وبحسب شهادة "فيكتور" نفسه، أشار أحد مساعدي جولان بإصبعه إلى حلقه عند طرح احتمال تعرض التكريتي للأذى. في إشارة فهمها المستشار البريطاني على أنها تلميح لاحتمال انتهاء العملية بتصفية الهدف، وهو ما دفعه للانسحاب من المهمة بالكامل.
شهادات من داخل الفريق.. "كنا جنودا إماراتيين"
يستند التحقيق أيضا إلى اعترافات مباشرة من أعضاء سابقين في فريق جولان. فقد أكد ديل كومستوك، أحد قدامى المحاربين في القوات الخاصة الأمريكية وعضو الفريق في اليمن. لقناة ITV أن العملية هناك نُفذت نيابة عن الإمارات. قائلا بشكل قاطع: "بكل المقاييس، كنا جنودا إماراتيين".
هذه الشهادة، الصادرة من مصدر عمل مباشرة تحت قيادة جولان، تعزز الرواية التي أكدها جولان نفسه لموقع "بازفيد نيوز" سابقا حين قال: "كان هناك برنامج اغتيالات مستهدفة في اليمن. كنت أديره، نفذناه، وقد حظي بموافقة الإمارات العربية المتحدة ضمن التحالف".



