عربي ودولي

اختبار حلف مكة: تضامن باللسان.. وحذر شديد من التدخل العسكري الفعلي

بينما تتعرض السعودية لهجمات حوثية متصاعدة، يخضع "حلف مكة الدفاعي" -الذي يجمعها بتركيا وباكستان منذ توقيعه الشهر الماضي- لأول اختبار حقيقي لجديته منذ تأسيسه.

ووسط دفاع تركي متكرر عن الحلف، تكشف تفاصيل الأسابيع الأخيرة عن فجوة واسعة بين لغة "التضامن الكامل" المعلنة، والتردد الشديد في أي التزام عسكري فعلي على الأرض.

استئناف الهجمات

في 8 سبتمبر الجاري، استأنف الحوثيون هجماتهم على الأراضي السعودية بعد فترة هدوء نسبي وهدنة غير رسمية، منفذين سلسلة ضربات صاروخية وبطائرات مسيّرة استهدفت أربع مدن جنوبية هي أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، ما أسفر عن إصابة 73 شخصاً.

وكشفت تقارير لاحقة أن الحوثيين استهدفوا أيضاً مواقع "حساسة" في العاصمة الرياض، مع رصد ألسنة لهب وسحابة دخان كثيف قرب المطار الرئيسي للمدينة، في تصعيد وصفه محللون بأنه يشكل الاختبار الأول الحقيقي لحلف مكة منذ توقيعه.

نص الاتفاق يبدو حازماً

بحسب نص اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة الشهر الماضي، فإن أي هجوم مسلح على أحد الأعضاء الثلاثة (السعودية وتركيا وباكستان) يُعتبر هجوماً عليهم جميعاً، وهو التزام يضاهي نظرياً المادة الخامسة الشهيرة في معاهدة حلف الناتو.

لكن الفارق بين النص والتطبيق الفعلي على الأرض بدا صارخاً: فحتى الآن، لم يصدر عن أي من الشريكين رد عسكري مباشر على الهجمات الحوثية، واقتصر الدعم المعلن على بيانات إدانة وتعهدات "استعداد" غير ملزمة زمنياً أو عملياتياً.

باكستان: "تضامن دون تورط"

أعلنت باكستان صراحة أنه لا توجد أي مناقشات جارية بشأن رد عسكري بموجب اتفاق مكة على الهجمات الحوثية، مكتفية بالقول إنها "ستتحرك عندما يحين الوقت"، دون تحديد ما يعنيه ذلك عملياً.

بل إن تقريراً لصحيفة "فايننشال تايمز" كشف عن تطور أكثر دلالة على طبيعة الموقف الباكستاني الفعلي: فبدلاً من التلويح بخيارات عسكرية ضد الحوثيين، طلب قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير مساعدة إيران نفسها في وقف الضربات، مذكّراً بالتزامات بلاده الدفاعية تجاه الرياض دون توجيه أي إنذار عسكري مشروط بمهلة زمنية أو تهديد مباشر.

ويرى محللون أن هذا النهج ينبع من مقاربة "التضامن دون التورط": إظهار الدعم السياسي للرياض مع الحرص الشديد على عدم الإضرار بعلاقة إسلام آباد الحساسة مع طهران.

تركيا: دعم "فني" معلن

من جانبها، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان استعداد بلاده لتلبية أي احتياجات عسكرية سعودية "خاصة فيما يتعلق ببعض المسائل الفنية"، مؤكداً أن أنقرة "متضامنة بجدية" مع الرياض.

لكن هذا الدعم بقي حتى الآن في إطار العروض العامة دون التزام عملياتي محدد أو جدول زمني. فيما نددت تركيا بالهجمات الحوثية ودعت لوقفها فوراً، دون أن يتجاوز ذلك مستوى الإدانة الدبلوماسية.

والأهم أن هناك تياراً واضحاً داخل تركيا نفسها يحذر من الانجرار لأي مواجهة عسكرية مباشرة. إذ حذّر الأدميرال التركي المتقاعد جيم غوردينيز صراحة من "الوقوع في فخ" الانخراط في "مستنقع اليمن". معتبراً أن جرّ تركيا لعداء مباشر مع الحوثيين "خطأ استراتيجي". وداعياً أنقرة بدلاً من ذلك لدعم الدبلوماسية وأمن الملاحة التجارية البحرية فقط.

كما حذر ناشطون من منظمات إسلامية غير حكومية من أن بند الدفاع المشترك في حلف مكة قد "يجرّ تركيا". لهذا الصراع دون رغبتها الحقيقية في ذلك.

مصر: دعم سياسي لا التزام عسكري مباشر

أما مصر. وهي ليست طرفاً موقعاً على حلف مكة نفسه لكنها تشارك في آلية "R4" الأوسع التي تضم الدول الثلاث الموقعة. فيبدو موقفها الأكثر حذراً من الجميع: دعم سياسي معلن. مع احتمال تعزيز التنسيق البحري في أقصى الأحوال، دون أي التزام عسكري مباشر، بحسب تحليلات متابعة للملف.

نفاد الصواريخ الاعتراضية السعودية

يكشف تطور آخر حجم الفجوة بين "الحلف" كإطار سياسي وبين الاحتياج الأمني الفعلي على الأرض. فقد نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين أن مخزون السعودية من الصواريخ الاعتراضية للدفاع الجوي بدأ ينفد فعلياً نتيجة استمرار الهجما. ما دفع الرياض لطلب دعم دفاع جوي ليس فقط من شريكيها في حلف مكة (تركيا وباكستان). بل أيضاً من فرنسا والمملكة المتحدة ومصر، أي من خارج إطار الحلف بالكامل في بعض الحالات.

وهذا يعني أن الحلف الثلاثي، رغم حداثة توقيعه وصخب الإعلان عنه. لم يثبت حتى الآن أنه المصدر الأساسي أو الأسرع لتلبية الاحتياجات الأمنية العاجلة للرياض. التي تلجأ بالتوازي لشبكة أوسع من الشركاء الدوليين.

يضاف إلى ذلك أن زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي وجّه تحذيراً مباشراً لتركيا وباكستان من تقديم أي دعم فعلي للسعودية. في رسالة ردع مبكرة قد تفسر جزئياً سبب حرص الدولتين على إبقاء ردهما عند حدود التصريحات السياسية. دون خطوات عملياتية قد تجرّهما لمواجهة مباشرة مع الجماعة.

اقرأ أيضا

عمرو موسى يتصدر دعوات دبلوماسية مصرية متصاعدة لتحالف استراتيجي مع السعودية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى