خفض الدين أم إعادة تعريفه؟ جدل يتصاعد حول نوايا حكومة مدبولي
أثار إعلان الحكومة عن خطة مرتقبة لخفض الدين العام جدلًا واسعًا في الأوساط البرلمانية والاقتصادية، بعدما طُرحت تساؤلات حول ما إذا كانت الدولة تستهدف خفض العبء السيادي فعليًا، أم الاكتفاء بتحسين المؤشرات المحاسبية عبر إعادة تعريف الدين ونطاق احتسابه.
وفي هذا السياق، تقدم عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، محمد فؤاد، بطلب إحاطة عاجل، انتقد فيه ما وصفه بعدم التزام الخطاب الحكومي بأحكام قانون المالية العامة الموحد، ولا سيما في ما يتعلق بمفهوم «دين الحكومة العامة»، معتبرًا أن الحكومة تركز على دين أجهزة الموازنة العامة فقط، بما “يحسن المؤشرات شكليًا دون خفض العبء الحقيقي”.
وأوضح فؤاد، في تصريحات منشورة، أن استراتيجية المالية العامة متوسطة الأجل اعتمدت تعريفًا منقوصًا للدين العام، حين حصرت المستهدفات الكمية في دين الموازنة العامة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، متجاهلة التزامات الهيئات الاقتصادية والجهات خارج الموازنة، رغم أنها تقع في النهاية على عاتق الدولة.
تصريحات حكومية تفتح باب التأويل
يأتي ذلك الجدل بعد تصريحات لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي تحدث فيها عن تحقيق أدنى نسبة دين تشهدها مصر منذ خمسين عامًا، مشيرًا إلى تراجع نسبة الدين من 96% إلى 84% من الناتج المحلي.
غير أن مدبولي لم يوضح حينها نطاق الدين المقصود، قبل أن يكتفي لاحقًا بالإشارة إلى “نسبة الدين للناتج المحلي” دون تحديد ما إذا كان يتحدث عن دين الحكومة العامة أم دين أجهزة الموازنة فقط.
وبحسب بيانات وزارة المالية، بلغ دين أجهزة الموازنة العامة نحو 85.6% من الناتج المحلي في يونيو الماضي، بينما وصل دين الحكومة العامة إلى 95.3%، وهو فارق جوهري يعكس اتساع فجوة الخطاب الرسمي.
مصدر برلماني على صلة بالحكومة قال، في تصريحات إعلامية، إن رئيس الوزراء “أعاد إنتاج مستهدفات معلنة بالفعل”، تهدف إلى خفض دين أجهزة الموازنة إلى أقل من 70% خلال خمس سنوات، معتبرًا أن تقديم هذه الوعود بصيغة عامة قد يهدف إلى تحسين الصورة السياسية أكثر من كونه إعلانًا عن مسار جديد.
مقترحات نقل الأصول… حل أم لعبة محاسبية؟
في موازاة ذلك، عاد الجدل حول مقترحات طرحها المصرفي وعضو لجنة الاقتصاد الكلي الاستشارية لرئيس الوزراء، حسن هيكل، تقضي بنقل أصول مملوكة للدولة مقابل تسوية ديون حكومية، وهي فكرة أعاد طرحها إعلاميًا عقب تصريحات مدبولي.
ورغم تبرير هيكل، في أكثر من مناسبة، أن هدفه تحرير الموازنة من أعباء الفوائد لإتاحة إنفاق اجتماعي أوسع. خصوصًا على الصحة، فإن اقتصاديين بارزين رفضوا المقترح.
فقد اعتبر محافظ البنك المركزي الأسبق محمود أبو العيون، خلال منتدى اقتصادي علني. أن نقل الدين إلى البنك المركزي أو إلى كيانات مملوكة للدولة لا يعالج أصل المشكلة. بل يهدد استقلال السياسة النقدية ويتعارض مع قانون البنك المركزي.
كما شدد محمد فؤاد، في طلب الإحاطة. على أن “مبادلة الأصول داخل نطاق الحكومة العامة لا تخفض صافي الدين السيادي طالما ظلت المسؤولية النهائية على الدولة”. معتبرًا أن هذه المقترحات لا تتجاوز كونها إعادة توزيع للديون.
دين ينتقل خارج الموازنة… لا خارج الدولة
من جانبه، أوضح مصدر برلماني سابق. أن ما يجري يعيد إنتاج نمط قديم، يتمثل في نقل الاستدانة من الوزارات إلى الهيئات الاقتصادية خارج الموازنة. مع بقاء الضمانة على وزارة المالية، وهو ما يشكل مخاطر مستقبلية، خاصة مع تعثر بعض هذه الهيئات بالفعل. وفق تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات.
وأضاف المصدر أن هذه الآليات “تحسن شكل الموازنة العامة، لكنها لا تغير من حقيقة الأعباء المالية على الدولة”. لافتًا إلى أن وزارة المالية تستفيد محاسبيًا، بينما تستمر كلفة الفوائد في استنزاف الإيرادات.
وتكشف أحدث بيانات وزارة المالية. أن تكلفة الفوائد تجاوزت 96% من إجمالي الإيرادات خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام المالي الجاري. وهو ما يعزز تشكيك الخبراء في جدوى أي خفض اسمي للدين لا يمس جذور الأزمة.



