تقاريرعربي ودولي

السعودية تفتح أبوابها للتملك الأجنبي.. وشرط "الإسلام" يحمي الحرمين من موجة الانفتاح

في خضم موجة الانفتاح الاقتصادي غير المسبوق التي تشهدها المملكة العربية السعودية منذ صعود ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، جاء قرار السماح لغير السعوديين بتملك العقارات ليُعيد إشعال جدل قديم متجدد ليس عن الاقتصاد وحده، بل عن الهوية والسيادة والمقدسات.

فللمرة الأولى في تاريخها الحديث، تفتح المملكة أبواب التملك العقاري على مصراعيها أمام العالم، بما في ذلك ولو بشروط مدينة النبي صلى الله عليه وسلم.

والسؤال الذي لا يجرؤ كثيرون على طرحه بصوت عالٍ: هل يكفي شرط الإسلام وحده سدًّا منيعًا، في زمن تتغير فيه التحالفات وتتقارب فيه الرياض وتل أبيب؟

النظام الجديد.. ما الذي تغيّر فعلاً؟

دخل نظام تملك غير السعوديين للعقار حيز التنفيذ رسمياً في 22 يناير 2026، ليتيح لغير السعوديين من الأفراد والشركات والكيانات التملك في مختلف مناطق المملكة العربية السعودية، وفق إطار تنظيمي واضح يستند إلى وثيقة النطاقات الجغرافية.

والنظام لم يأتِ من فراغ؛ فقد وافق مجلس الوزراء السعودي على النظام المحدث لتملك غير السعوديين العقارات في يوليو 2025، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ اعتباراً من يناير 2026. ثم أقرّ مجلس الوزراء مؤخراً اللائحة التنفيذية والنطاقات الجغرافية المفصّلة، لتكتمل منظومة التشريع ويبدأ تطبيقها الفعلي.

الحرمان.. سياج الإسلام هو الضمانة الوحيدة

في خضم هذا الانفتاح، جاء استثناء المدينتين المقدستين مشروطاً لا مطلقاً وهو التفصيل الأخطر في النظام بأكمله. يقتصر التملك في مكة المكرمة والمدينة المنورة على الشركات السعودية والأفراد المسلمين من داخل وخارج المملكة.

وللمقيم غير السعودي تحديداً، يتيح النظام تملك عقار واحد مخصص للسكن خارج النطاق الجغرافي المحدد، باستثناء مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، ويُشترط أن يكون الشخص مسلماً إذا كان التملك داخل هاتين المدينتين.

الضمانة إذن عقدية دينية بحتة لا جنسية ولا جغرافية ولا سياسية. وهذا بالذات هو مربط الفرس في الجدل الدائر.

المخاوف المسكوت عنها.. اليهود والإسرائيليون في المعادلة

منذ إطلاق مسيرة التطبيع الخليجي الإسرائيلي التي أفضت إلى اتفاقيات أبراهام عام 2020، والمحادثات السعودية الإسرائيلية التي لم تنقطع خلف الكواليس، باتت ثمة مخاوف جدية لدى شريحة واسعة من المسلمين حول مآلات هذا الانفتاح على المقدسات الإسلامية.

فالمعادلة بسيطة في ظاهرها — غير مسلم لا يتملك في الحرمين — لكنها تنطوي على ثغرات يراها المتشككون جوهرية:

أولاً: شرط الإسلام يُثبت بالوثائق الرسمية، لكن آليات التحقق الفعلي وصرامة تطبيقها تبقى رهينة الإرادة السياسية التي قد تتبدل.

ثانياً: النظام يسمح للشركات غير السعودية التي يشارك في رأسمالها أشخاص غير سعوديين بالتملك في المدينتين المقدستين لأغراض تجارية وسكن العاملين — إذ يجوز للشركة غير المدرجة في السوق المالية السعودية، والتي يشترك في ملكية رأس مالها شخص أو أكثر لا يتمتعون بالجنسية السعودية، تملك العقار أو اكتساب الحقوق العينية في مكة المكرمة والمدينة المنورة.

وهنا يكمن الباب الخلفي الذي يثير القلق إذ يمكن نظرياً لشركة يمتلك فيها غير مسلمين حصصاً أن تتملك في قلب المدينة المنورة.

ثالثاً: في ظل التقارب السعودي الإسرائيلي المتصاعد، يطرح كثيرون تساؤلات مشروعة: هل يمكن لمستثمر إسرائيلي مسلم الديانة وهم موجودون أن يتملك في المدينة؟ وهل الجنسية الإسرائيلية ستكون سبباً للمنع أم أن الشرط الديني وحده هو المعيار؟

انفتاح ابن سلمان.. إلى أين تسير المملكة؟

لا يمكن قراءة هذا النظام بمعزل عن المشهد الأشمل؛ فمنذ تولي محمد بن سلمان ولاية العهد. شهدت المملكة تحولات جذرية طالت المجتمع والاقتصاد والسياسة الخارجية من السماح بالترفيه وقيادة المرأة للسيارة، إلى الانفتاح الاستثماري على العالم. وصولاً إلى محادثات التطبيع مع إسرائيل التي لم تُغلق أبوابها رغم حرب غزة.

منذ يناير 2025، سُمح لغير السعوديين بالاستثمار بنسبة تصل إلى 49% في الشركات المدرجة. التي تملك أو تدير عقارات داخل نطاق مكة المكرمة والمدينة المنورة. دون السماح لهم بالتملك المباشر للعقار ذاته.

وهو ما يكشف أن مسار الانفتاح على المقدسات بدأ قبل النظام الحالي بخطوة كاملة، لكن دون ضجيج.

بين رؤية 2030 والثوابت.. أين الخط الأحمر؟

يرى المؤيدون أن النظام الجديد ضرورة اقتصادية تفرضها متطلبات رؤية 2030. وأن شرط الإسلام يُشكّل حاجزاً راسخاً يصون حرمة المدينتين. فيما يرى المتحفظون أن الاقتصاد حين يصبح هو المحرك الأول. تتراجع أمامه الاعتبارات الأخرى تدريجياً وأن ما يبدو اليوم خطاً أحمر قد يصبح غداً مجرد إجراء قابل للتفسير والالتفاف.

اقرأ ايضا

ساويرس من دمشق: الشرع درس أخطاء الربيع العربي ولا مقارنة بينه وبين مرسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى