صندوق النقد يتفاءل بالاقتصاد المصري.. فهل يشعر المواطن المصري بهذا التفاؤل؟
تحمل وثائق المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري لدى صندوق النقد الدولي خطابا مزدوجا يستحق قراءة متأنية: تفاؤل بقدرة الاقتصاد على "الصمود" رغم التوترات الإقليمية من جهة، وأرقام تكشف أن هذا الصمود سيمر أولا عبر مرحلة ضغط إضافي على المواطن قبل أن تظهر ثماره من جهة أخرى.
فبين توقع ارتفاع التضخم إلى 16.7% خلال النصف الثاني من العام المالي الحالي، وبين وعود بانخفاضه إلى 5.3% بحلول 2031، يبقى السؤال الأهم: من يتحمل كلفة هذه المرحلة الانتقالية الممتدة لسنوات؟
تضخم يرتفع قبل أن ينخفض.. أي أفق زمني يعنيه ذلك للمواطن؟
يتوقع الصندوق ارتفاع متوسط التضخم إلى 16.7% خلال النصف الثاني من العام المالي الحالي، مدفوعا بزيادات أسعار الطاقة وتأثيرات سنة الأساس وتراجع سعر الصرف، على أن يتباطأ إلى 13.2% بنهاية العام، ثم يواصل الانخفاض تدريجيا حتى يصل إلى 5.3% فقط بحلول نهاية العام المالي 2030-2031.
هذا يعني عمليا أن المواطن المصري مدعو للصبر على معدلات تضخم مزدوجة الرقم لسنوات إضافية قادمة، إذ إن الوصول للنطاق المستهدف من البنك المركزي نفسه -بحسب اعتراف الصندوق ذاته- قد يتأخر عاما كاملا بسبب تداعيات الحرب الإقليمية وتعديلات أسعار الطاقة المرتبطة بآلية التسعير التلقائي للوقود، وهي الآلية ذاتها التي تناولناها في تقارير سابقة حول تريث الحكومة في خفض أسعار الوقود رغم تراجع خام برنت عالميا.
نمو اقتصادي متباطئ رغم الأرقام الإيجابية الظاهرية
سجل الناتج المحلي الإجمالي نموا بلغ 5% خلال الربع الثالث من العام المالي الحالي، بدعم من قناة السويس والسياحة والتشييد، ليصل النمو التراكمي خلال الأشهر التسعة الأولى إلى 5.2%.
لكن هذا الزخم الإيجابي، بحسب توقعات الصندوق نفسه، لن يستمر بالوتيرة ذاتها، إذ يُتوقع أن يتباطأ النمو من 4.6% في العام المالي الحالي إلى 4.4% في العام المقبل، نتيجة تداعيات الحرب على الاستثمارات وتكاليف الإنتاج والتمويل، إلى جانب تأثر الاستهلاك الخاص مباشرة بارتفاع التضخم وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.
بعبارة أخرى: الاقتصاد الكلي قد ينمو، لكن جيب المستهلك الفردي قد لا يشعر بهذا النمو في المدى القريب، بل قد يشعر بعكسه تماما.
الدين العام يرتفع أولا قبل أن يتراجع.. متى تحديدا؟
من أبرز الأرقام اللافتة في الوثائق توقع ارتفاع الدين العام إلى 82.2% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي المقبل 2026-2027، قبل أن يبدأ مسار التراجع التدريجي وصولا إلى 70.8% بحلول 2030-2031.
هذا يعني أن مصر ستمر أولا بذروة إضافية في مستوى مديونيتها قبل أن تشهد أي تحسن فعلي، وهو ما يفسر تكرار توصيات الصندوق بمواصلة "الضبط المالي" وزيادة الإيرادات وخفض الاحتياجات التمويلية، وهي مصطلحات تقنية تُترجم عادة على أرض الواقع إلى مزيد من الضرائب والرسوم، أو تقليص أوجه إنفاق حكومي أخرى، بما فيها بنود الدعم التي سبق أن تناولنا تراجعها في ملفات سابقة كالخبز والوقود وبطاقات التموين.
احتياطيات وإيرادات قياسية.. لكن مرهونة باستقرار لم يتحقق بعد
يتوقع الصندوق ارتفاع احتياطيات النقد الأجنبي من مستواها الحالي إلى 67.5 مليار دولار خلال العام المالي الحالي، ثم إلى 72.9 مليار دولار بحلول 2031، مع نمو موازٍ في إيرادات قناة السويس من 4.9 مليار دولار حاليا إلى 11 مليار دولار. وإيرادات السياحة من 20.8 مليار دولار إلى 29.8 مليار دولار خلال الفترة ذاتها.
لكن هذه التوقعات الطموحة، خاصة فيما يتعلق بقناة السويس، تصطدم بواقع ميداني موثق تناولناه سابقا. خسائر تجاوزت 10.5 مليار دولار في إيرادات القناة نتيجة اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. ما يجعل تحقيق هذه القفزة المتوقعة في إيرادات القناة مرهونا بشكل مباشر بعودة استقرار ملاحي إقليمي لم يتحقق بعد. وسط تصعيد أمريكي إيراني متواصل في مضيق هرمز قد يزيد الأمور تعقيدا لا العكس.
استثمار أجنبي متراجع.. وتحويلات مغتربين تحمل العبء الأكبر
في مؤشر يستحق التوقف. يتوقع الصندوق تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو 13% خلال العام المالي المقبل مقارنة بتوقعاته قبل الحرب. بسبب المخاطر المرتبطة بالتوترات الإقليمية، في حين يراهن على استمرار قوة تحويلات المصريين العاملين بالخارج كعنصر موازن رئيسي.
هذا التوازن -تراجع في الاستثمار الأجنبي المباشر مقابل اعتماد متزايد على تحويلات المغتربين. يتقاطع مباشرة مع ما تناولناه في تقارير سابقة حول تصاعد الأدوات الحكومية الموجهة لجذب مدخرات المصريين بالخارج. من وثائق التأمين بالدولار إلى الصناديق الاستثمارية الجديدة. ما يعكس أن الدولة نفسها تدرك هذا الاعتماد المتنامي على المغترب كصمام أمان في ظل تراجع مصادر تمويل خارجية أخرى.
توصيات هيكلية معتادة.. والسؤال عن سرعة التنفيذ الفعلي
اختتم الصندوق تقييمه بحزمة توصيات مألوفة: تسريع برنامج الطروحات الحكومية، وتطبيق سياسة ملكية الدولة المحدثة. وتحسين حوكمة الشركات والهيئات المملوكة للدولة، وتعزيز دور القطاع الخاص.
هذه التوصيات، رغم تكرارها في مراجعات سابقة للصندوق على مدى سنوات، لا تزال تصطدم عمليا ببطء وتيرة تنفيذها الفعلي. وهو ما يجعل مصداقية الجدول الزمني المتفائل للصندوق -خاصة فيما يتعلق بخفض الدين والتضخم بحلول 2030-2031- مرهونة بمدى جدية الحكومة المصرية في تسريع هذه الإصلاحات الهيكلية بوتيرة تختلف عن السنوات الماضية. لا بمجرد تكرار الالتزام اللفظي بها في كل مراجعة جديدة.



