من البرازيل إلى مصر.. فوز لولا يعيد سؤال الديمقراطية ومقاومة هيمنة المال والسلطة
لم يكن فوز الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رئاسية رابعة مجرد انتصار انتخابي جديد لزعيم يساري مخضرم، بل مثّل ضربة سياسية لصعود اليمين المتطرف في أمريكا اللاتينية، وأبقى في قيادة أكبر دول القارة حكومة تتبنى خطابًا يدافع عن العدالة الاجتماعية، واستقلال القرار الوطني، وحقوق الفلسطينيين، ورفض إخضاع العلاقات الدولية لموازين القوة وحدها.
ففي 25 أكتوبر 2026، حسم لولا جولة الإعادة أمام منافسه اليميني فلافيو بولسونارو، بعدما حصل على 51.79% من الأصوات الصحيحة مقابل 48.21% لمنافسه، في نتيجة قلبت تقدم بولسونارو في الجولة الأولى.
وبذلك، أصبح لولا أول رئيس برازيلي منذ عودة الديمقراطية في ثمانينيات القرن الماضي يفوز بالرئاسة بعد حلوله ثانيًا في الجولة الأولى.
وتتجاوز أهمية النتيجة حدود البرازيل؛ إذ تأتي في سياق صعود تيارات يمينية تتبنى سياسات قومية متشددة، وتعارض الهجرة، وتدفع باتجاه تقليص بعض أدوار الدولة الاجتماعية، فيما ترتبط قطاعات منها بتحالفات مع مصالح اقتصادية كبرى.
لذلك، أعاد فوز لولا طرح سؤال بشأن قدرة القوى اليسارية والتقدمية على الاحتفاظ بمساحة داخل النظام السياسي العالمي، ومقاومة تحويل الثروة والنفوذ إلى أدوات للهيمنة على المجتمعات والقرار السياسي.
البرازيل تختار الاستمرار في مواجهة اليمين المتطرف
حملت الانتخابات البرازيلية دلالة تتجاوز التجديد لرئيس سبق أن تولى السلطة بين عامي 2003 و2011، ثم عاد إليها في 2023.
فقد خاض لولا مواجهة مع فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، الذي يمثل استمرارًا للتيار اليميني الذي خسر انتخابات 2022، لكنه حافظ على نفوذ سياسي واجتماعي واسع.
وجاء فوز لولا بعد أن تصدر بولسونارو الجولة الأولى في 4 أكتوبر، وهو ما جعل نتيجة الإعادة اختبارًا لقدرة التيارات اليسارية على استعادة الناخبين في مواجهة اليمين المتطرف.
ووفقًا لرويترز، مثّل فوز لولا انتكاسة لهذا التيار في أمريكا اللاتينية، وعرقل اتساع دائرة الحكومات اليمينية المتحالفة سياسيًا مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وفي خطابه عقب الفوز، رفع لولا شعار الدفاع عن الديمقراطية، محذرًا من عودة الديكتاتورية والفاشية.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية في بلد عاش حكمًا عسكريًا بين عامي 1964 و1985، كما شهد في السنوات الأخيرة صراعًا حادًا حول المؤسسات الديمقراطية وحدود السلطة التنفيذية.
غزة.. موقف برازيلي يتحدى ازدواجية المعايير
تتصل الأهمية الدولية لفوز لولا بموقفه من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، إذ اتخذ الرئيس البرازيلي موقفًا علنيًا منتقدًا للعمليات الإسرائيلية، ورفض تبرير قتل المدنيين أو استخدام التجويع سلاحًا في الحرب.
وفي سبتمبر 2025، قال لولا إن ما يحدث في غزة يتجاوز قتل الفلسطينيين إلى محاولة القضاء على حلمهم بإقامة دولة، واستند إلى توصيف لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة للأحداث باعتبارها إبادة جماعية.
كما شدد على أن حق إسرائيل في الوجود لا يلغي حق الفلسطينيين في الوجود، وأن الدفاع عن النفس لا يبرر القتل العشوائي للمدنيين.
ويمثل هذا الموقف جزءًا من خطاب برازيلي يدعو إلى حل الدولتين، ويطالب بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ويرفض منح الحلفاء الأقوياء حصانة سياسية من المساءلة.
ومن هذا المنطلق، ينظر مؤيدو لولا إلى استمرار حكومته بوصفه فرصة للإبقاء على صوت دولي ينتقد السياسات الإسرائيلية ويدافع عن الحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية.
في مواجهة نفوذ المال.. هل يكفي الانتصار الانتخابي؟
تطرح عودة لولا سؤالًا بشأن العلاقة بين السلطة السياسية ورؤوس الأموال الكبرى، خاصة في ظل صعود تيارات يمينية تدعو إلى خفض الضرائب على الشركات والأثرياء، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتقليص بعض أشكال الإنفاق الاجتماعي.
غير أن العلاقة بين اليمين والمصالح الاقتصادية ليست واحدة في جميع البلدان، كما أن رجال الأعمال لا ينتمون جميعًا إلى تيار سياسي محدد.
لذلك، فإن جوهر القضية لا يتعلق بتصنيف أصحاب الثروات بصورة جماعية. بل بمدى قدرة المؤسسات على منع تركّز النفوذ الاقتصادي والسياسي في أيدي مجموعات محدودة. وضمان ألا تتحول الثروة إلى وسيلة للتأثير غير المتكافئ في السياسات العامة.
مصر.. حين يصبح الاستقرار مبررًا لتقييد السياسة
تكتسب نتيجة الانتخابات البرازيلية دلالة إضافية عند مقارنتها بالأوضاع السياسية في مصر. حيث وثقت منظمات دولية استمرار القيود على المعارضة السلمية وحرية التعبير والعمل المدني. إلى جانب تركّز السلطة وضعف المنافسة السياسية الفعلية.
وصنفت منظمة فريدوم هاوس مصر في تقرير «الحرية في العالم 2026» ضمن الدول «غير الحرة». ومنحتها 18 نقطة من أصل 100.
وذكر التقرير أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يحكم البلاد بأسلوب سلطوي. وأن المعارضة السياسية الفعلية تكاد تكون غائبة، بينما تواجه التعبيرات المعارضة احتمال الملاحقة الجنائية والسجن.
وفي تقريرها عن مصر ضمن «التقرير العالمي 2026»، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش. إن السلطات واصلت التضييق على منتقدي الحكومة والمدافعين عن حقوق الإنسان. وإن المجال المدني ظل محدودًا بشدة، كما انتقدت المنظمة ظروف الاحتجاز والمحاكمات التي وصفتها بأنها غير عادلة.
وتضع هذه التقييمات سؤال الديمقراطية في مصر في مواجهة رواية رسمية تركز على الاستقرار ومخاطر الاضطراب.
فحين تضيق مساحة المنافسة السياسية، ويصبح التعبير عن المعارضة محفوفًا بالمخاطر. تتراجع قدرة المواطنين على التأثير في السياسات العامة أو تغيير الحكومات عبر منافسة انتخابية حقيقية.
من البرازيل إلى مصر.. معركة الحق في الاختيار
لا يمثل فوز لولا ضمانة تلقائية لانتصار القوى المناهضة للإمبريالية أو نجاحًا نهائيًا في مواجهة نفوذ رأس المال العالمي.
فالرئيس البرازيلي سيظل مقيدًا بتوازنات داخلية ودولية. كما أن نتائج سياساته ستتوقف على ما يحققه فعليًا في الاقتصاد والعدالة الاجتماعية والعلاقات الخارجية.
لكن الانتخابات أثبتت أن التيارات اليمينية ليست قدرًا محتومًا. وأن القوى التي تدافع عن دولة اجتماعية وعن الحقوق المدنية يمكنها الفوز حتى في بيئة سياسية منقسمة. إذا تمكنت من حشد أغلبية انتخابية.
أما في مصر، فإن التحدي لا يقتصر على تغيير السياسات الاقتصادية أو تبني موقف أكثر حزمًا من القضايا الدولية. بل يشمل ضمان حق المواطنين في التنظيم والتعبير والمنافسة السياسية، ووجود مؤسسات مستقلة تراقب السلطة وتحاسبها.



