اقتصاد

هل تعكس الموازنة العامة المصرية الواقع أم تُدار بمنطق التوقعات؟

في تحذير جديد يعكس اتساع المخاوف من تراجع الانضباط المالي في عدد من الدول النامية، شدد صندوق النقد الدولي على أن مصداقية الموازنات العامة أصبحت عنصرًا حاسمًا في تحديد قدرة الدول على تحقيق الاستقرار الاقتصادي، محذرًا من أن الفجوة المتزايدة بين ما تعلنه الحكومات من تقديرات مالية وما يتحقق فعليًا على أرض الواقع باتت تُضعف فعالية السياسات الاقتصادية وتزيد من هشاشة الاقتصادات، خاصة في دول أفريقيا جنوب الصحراء.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت يتزايد فيه الجدل في مصر حول مدى دقة وواقعية أرقام الموازنة العامة، وسط تساؤلات متكررة من خبراء واقتصاديين حول قدرة الدولة على الالتزام بالمستهدفات المعلنة، في ظل ضغوط متصاعدة على العملة والدين العام والإنفاق الحكومي.

فجوة الموازنات

وأوضح صندوق النقد، في دراسة حديثة استندت إلى بيانات 39 دولة خلال الفترة من 2021 إلى 2024، أن العجز الفعلي غالبًا ما يتجاوز المستويات المخططة، نتيجة التفاؤل المفرط في تقدير الإيرادات، إلى جانب توسع الإنفاق الجاري، خصوصًا في الأجور والدعم والسلع والخدمات.

وأشار التقرير إلى أن هذه الانحرافات لا تعكس خللًا تقنيًا فقط، بل ترتبط أيضًا بضعف أدوات الرقابة المالية، واعتماد سياسات إنفاق مرنة تتغير مع الظروف، بدلًا من الالتزام الصارم بإطار مالي طويل الأجل.

مصر والموازنة العامة

في السياق المصري، يتجدد النقاش سنويًا مع إعلان الموازنة العامة حول مدى واقعية الأرقام المعلنة، خاصة فيما يتعلق بالإيرادات المتوقعة، وحجم النمو الاقتصادي، ومستهدفات خفض العجز والدين.

ويرى بعض الخبراء أن جزءًا من الإشكالية لا يتعلق فقط بالأرقام، بل بطريقة بناء الموازنة نفسها، حيث تعتمد الحكومات في كثير من الأحيان على تقديرات تفاؤلية للإيرادات، مقابل ضغوط إنفاق فعلية أعلى من المتوقع، ما يؤدي لاحقًا إلى تعديل المستهدفات خلال السنة المالية.

كما يشير آخرون إلى أن جانبًا مهمًا من الإنفاق خارج الموازنة أو غير المفصح عنه بالكامل يجعل الصورة الكلية أقل وضوحًا، ويصعب معه الحكم الدقيق على مدى الالتزام الكامل بالأرقام الرسمية.

أين تذهب الفجوة؟

بحسب تحليل صندوق النقد، فإن أكثر ما يتأثر عند حدوث انحرافات في الموازنة هو الإنفاق الاستثماري. الذي غالبًا ما يتم تأجيله أو تقليصه عند حدوث أزمات تمويلية، لصالح تغطية النفقات الجارية مثل الأجور والفوائد وخدمة الدين.

وينعكس ذلك على الاقتصادات من خلال تباطؤ تطوير البنية التحتية والخدمات العامة. ما يحد من قدرة الاقتصاد على توليد نمو حقيقي طويل الأجل.

وفي الحالة المصرية، يربط اقتصاديون بين ارتفاع تكلفة خدمة الدين العام وتزايد الاعتماد على الاقتراض الخارجي. وبين تقلص الحيز المالي المتاح للاستثمار في قطاعات إنتاجية قادرة على خلق فرص عمل مستدامة.

مؤسسات قوية أم موازنات مرنة؟

يشير صندوق النقد إلى أن الدول التي تمتلك مؤسسات مالية قوية وقواعد إنفاق واضحة تحقق التزامًا أعلى بالموازنات. مقارنة بالدول التي تعتمد على مرونة واسعة في تعديل الإنفاق والإيرادات.

كما لفت إلى أن البرامج المرتبطة بالصندوق عادة ما تشهد انضباطًا ماليًا أكبر، نتيجة الرقابة المشددة والمتابعة الدورية للإصلاحات.

وفي المقابل، تواجه الدول منخفضة الدخل تحديات أكبر، بسبب ضعف المؤسسات وارتفاع الضغوط السياسية. خاصة في الفترات التي تسبق الانتخابات، حيث تميل الحكومات إلى توسيع الإنفاق أو تعديل الأولويات.

اقرأ أيضا

أربعون عامًا في الحكم.. ماذا تمثل تجربة موسيفيني بالنسبة للسيسي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى